18:30 25 يوليو/ تموز 2017
مباشر
    Ливия. Город Триполи

    التراجع عن سياسات الاجتثاث ولو جاء متأخراً

    © Sputnik. فلاديمير فيدورينكو
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 299 0 0

    أدت سياسات ما يعرف بـ(الاجتثاث) في العراق، و(العزل السياسي) في ليبيا، إلى تخريب العملية السياسية والمصالحة الوطنية، ولن تستقيم الأمور إلا بالتراجع عنها.

    سبوتنيك — عامر راشد

    تسريبات صحفية من العاصمة العراقية تفيد بأن الحكومة العراقية بدأت بمراجعة جزئية لـ (القانون) المسمى بـ (اجتثاث البعث)، الذي أصدره الحاكم المدني الأميركي للعراق إبان الاحتلال، بول بريمر، عام 2003 بالقرار رقم 2، وأرفقه بإنشاء لجنة للعمل على تطبيقه وحل الجيش ومؤسسات الدولة العراقية، وتم ترسيمها في الدستور العراقي الجديد عام 2005، تحت مسمى "هيئة المساءلة والعدالة"، تعمل على محاربة فكر "حزب البعث" وإزالة مخلفاته، وإزاحة من كانوا ينتسبون للحزب من الوظائف الحكومية، وحرمانهم من المشاركة السياسية والنشاط في المجتمع المحلي وتجريمهم، وفقاً للمادة 7 من الدستور والمادة 111 من قانون العقوبات العراقي.

    التسريبات أوضحت أن الحكومة العراقية أقرت أولياً بتخويل القضاء أن يبت بقضايا الذين يشملهم (قانون الاجتثاث)، وإخراج تطبيق القانون من حيز الصلاحيات المطلقة لـ"هيئة المساءلة والعدالة"، باعتبارها هيئة وطنية مستقلة مالياً وإدارياً، تقدم تقريراً فصلياً عن أعمالها لمجلس النواب. وإذا ما صحت التسريبات، سيعني ذلك مستقبلاً، إدخال تعديلات كبيرة على مهام الهيئة وصلاحياتها، بما يواكب ما ستذهب إليه الحكومة ومجلس النواب من مراجعة لـ (قانون الاجتثاث)، وهي كما تمت الإشارة إليه ستكون جزئية ومحدودة في المدى المنظور، وستخضع لعملية تجاذب بين مؤيدين ومعارضين للمراجعة والتعديل.

    الوضع في ليبيا
    © Sputnik. أندري ستينين
    ليبيا استنسخت (قانون الاجتثاث) بإصدار (قانون العزل السياسي)، بقرار صدر عن "المؤتمر الوطني العام"، أيار/ مايو 2013، قضى بأن يحرم من العمل السياسي والإداري لمدة عشر سنوات كل من تولى مهام قيادية أو مواقع وظيفية متقدمة في عهد نظام حكم الراحل معمر القذافي، بصرف النظر عن مواقفهم في معارضة النظام السابق والانحياز للحراك الشعبي المعارض له والإطاحة بالقذافي. وأثار (القانون) جدلاً واسعاً، لغموضه بما يسمح بتفسيرات فضفاضة، ولأن من شأنه أن يضعف مؤسسات الدولة المتداعية بالفعل، على حد وصف المبعوث الدولي الخاص إلى ليبيا آنذاك، طارق متري. إلا أنه فُرض تحت ضغط وتهديد من قبل الجماعات المسلحة.

    ومن القضايا التي ستلقي بظلالها، في شكل أو آخر، على أجندات الحوار بين أطراف الصراع الليبي مراجعة (قانون العزل السياسي)، نظراً للنتائج السلبية المترتبة على تطبيقه، وإخلاله بالتوازنات السياسية لصالح الجماعات المسلحة.

    تونس اتخذت مساراً آخر مختلفاً تماماً، بتصويت كتلة "حركة النهضة"، الكتلة الأكبر في "المجلس التأسيسي" السابق، ضد بند العزل السياسي من القانون الانتخابي، في أيار/مايو 2014، وأطلق زعيم "حركة النهضة" راشد الغنوشي مقولته الشهيرة، تفسيراً لتصويت كتلته: "فلتسقطهم صناديق الاقتراع". وقبلت "النهضة" بدفع ثمن موقفها بالتحوُّل إلى المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية، التي فاز فيها ائتلاف "نداء تونس" بالمرتبة الأولى، برئاسة الباجي قايد السبسي، الذي فاز أيضاً في الانتخابات الرئاسية في مواجهة المنصف المرزوقي، أول رئيس لتونس بعد إسقاط بن علي.

    وسيقت، ويمكن أن تساق لاحقاً، العديد من الملاحظات على تصرف "حركة النهضة" التونسية في هذا الخصوص، إلا أن رفض "العزل السياسي" ثمنه أقل من ثمن إقراره حينها، لأنه لو جرى الأخذ به كان سيشعل معارك سياسية ساخنة، وتجاذبات سياسية ومجتمعية شائكة، قد تعقِّد مسار الانتقال الديمقراطي بشكل سلمي وهادئ ومستقر. والمثال على ذلك ما وقع في العراق وليبيا.

    في العراق يؤكد معارضو (قانون اجتثاث البعث) أنه استخدم لمحاربة مكون اجتماعي بعينه، هو المكون السني، لم تسلم منه حتى قيادات من الصف الأول ومنخرطة في العملية السياسية، وذلك على خلفية الصراعات السياسة ذات الطابع الطائفي، علماً بأن ألف باء نجاح المصالحة الوطنية يتعارض مع المفاهيم والممارسات (الاجتثاثية)، بقطع النظر عن الذرائع التي تساق لتبريرها. واعترف بريمر نفسه، لاحقاً، في حوار مع صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، بأن (القانون) المذكور، وحل الجيش العراقي، ساهم بزعزعة الأمن في البلاد. وأخيراً بدأت بوادر اعتراف خجول للحكومة العراقية بمساوئ (الاجتثاث).

    وفي ليبيا ساهم (قانون العزل السياسي) بخسارة المئات من الخبرات الضرورية لنجاح واستقرار العملية السياسية، والمصالحة الوطنية، في ليبيا، وأدت تطبيقاته إلى اتهام إثنيات وأقليات عرقية، مثل التبو والطوارق، بأنهم من أتباع النظام السابق، وتقود تلك الاتهامات إلى عمليات تخوين على أساس فرز عرقي يغذي حساسيات قبلية قديمة، يضفى عليها في إطار الصراع طموحات سياسية انفصالية كحل واقعي وعملي للخلاص من التهميش والإقصاء الواقع عليهم.

    والتراجع عن (قانوني الاجتثاث والعزل السياسي) تصويب لخطأ شنيع، حتى لو جاء متأخراً، وكلما كانت المراجعة أعمق وأسرع وأكثر جرأة وشفافية ستكون نتائجها أفضل.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الكلمات الدلالية:
    العراق, ليبيا, تونس
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik