16:52 28 يوليو/ تموز 2017
مباشر
    باراك أوباما

    واشنطن: "فاقد الشيء لا يعطيه"

    © REUTERS/ إيفس هيرمان
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 46411

    الولايات المتحدة ضالعة تاريخياً في صناعة الأزمات الدولية والإقليمية، وتسميم العلاقات بين الدول، وانتهاز الفرص لتحقيق أجندات غير مشروعة على حساب مصالح شعوب العالم.

    سبوتنيك — عامر راشدِ

    انتشرت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي نظريات بين أوساط النخب السياسية الرسمية العربية، أو تلك التي تدور في فلكها، مفادها الرهان على دور حاسم للولايات المتحدة الأميركية في حل النزاعات الدولية والإقليمية، واختصرها الرئيس المصري الراحل أنور السادات بمقولته الشهيرة (99% من أوراق الحل بيد أميركا)، التي برر بها حينذاك التخلي عن العلاقات الاستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي الداعمة للقضايا العربية، والذهاب إلى صلح منفرد مع إسرائيل في كامب ديفيد، برعاية أميركية حصرية.


    وأدى تفكك الاتحاد السوفييتي، مطلع تسعينيات القرن الماضي، إلى توسيع صفوف المنظرين للاستفراد الأميركي في الملفات السياسية الدولية، بينما كانت الولايات المتحدة غارقة في وهم تكريس مبدأ الأحادية القطبية في النسق الدولي، وتغييب قانون تعددية الأقطاب كمعطى سياسي واقتصادي وثقافي وحضاري فرض نفسه على امتداد تاريخ البشرية، إلا أن عدم قراءة تجارب التاريخ، والخطأ في استشراف المستقبل، أوقع أولئك المنظرين للأحادية القطبية الأميركية، أو من استسلموا لمقولاتها المضللة، في خطيئة التعويل على دور الولايات المتحدة، من مواقع مختلفة ومتناقضة.


    المعضلة في مناحي تفكير بعض النخب السياسية العربية تتجلى في أن الرهانات على الدور الأميركي ما زالت على حالها، بل وتعمقت في السنوات الأخيرة، بذريعة أن من يمسك بأوراق اللعب بالأزمات يمتلك مفاتيح الحل، ولم يعد تبني هذه الرهانات يقتصر على قوى ليبرالية، فالعديد من القوى التي تصنف باعتبارها راديكالية انضمت إلى دائرة المراهنة على المواقف الأميركية، سلباَ أو إيجاباً، أي إقدام واشنطن على أفعال أو الامتناع عنها.


    من الأمثلة على خطيئة المراهنات على الاستفراد الأميركي، لم يجنِ الأردن من وراء "اتفاقية وادي عربة" مع إسرائيل، بوساطة أميركية، أي منافع سياسية واقتصادية تم الترويج لها كثيراً وطويلاً، ووصل الفريق الفلسطيني المفاوض إلى طريق مسدود بانهيار العملية السياسية. إلا أنه ما زال من يعقد رهاناته على دور واشنطن، بزعم أنها الوحيدة القادرة على رعاية جهود التسوية السياسية، تبعاً لعلاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل وقدرتها على التأثير في القرار الإسرائيلي، وهو ما ثبت أنه مجرد وهم، لتقاطع السياسات الأميركية عملياً مع السياسات الإسرائيلية، إلى درجة التطابق.


    وراهنت الغالبية الساحقة من مكونات المعارضة العراقية، بمختلف منابتها ومشاربها الإيديولوجية والإثنية والطائفية والمذهبية، في تسعينيات القرن الماضي على واشنطن لإسقاط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وبقيت أكثريتها تغزل على منوال التحالف مع واشنطن بعد غزوها للعراق واحتلاله، لكن كل طرف منها كان يغزل على منواله، على حساب برامج سياسية عابرة للطوائف والمذاهب والقوميات والإثنيات، ونظام ديمقراطي تعددي يحترم حقوق المواطنة وتكافؤ الفرص، وبناء مؤسسات الدولة والتعافي من مآسي وويلات الحرب، بعيداً عن الولاءات الطائفية والمذهبية والإثنية. وبالنتيجة علق العراقيون في حرب أهلية، كانت تسخن أحياناً وتبرد في أحيان أخرى، إلى أن وصلت البلاد إلى مفترق الحرب مع (داعش)، واستجداء التدخل العسكري الأميركي والغربي مرة أخرى.


    وكشفت الوقائع، بعد انطلاق الحراك الشعبي المعارض في بعض البلدان العربية، أن مقولة الراحل السادات ما زالت تعشش في ذهنية السياسيين الرسميين العرب، وباتت تنسحب على ذهنية العديد من القوى السياسية غير الرسمية، والجماعات المسلحة (غير الدولتية)، إن صح التعبير، ومنها إثنية وعرقية وطائفية ومذهبية تحركها أجندات خاصة. مع إعادة التأكيد على اختلاف زاوية القراءات للدور الأميركي المطلوب، وتناقض الغايات من ورائه..


    على ضوء ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا واليمن، والتطورات الأخيرة في العراق وسورية، وعنوانها "الحرب على داعش"، تتقاطع حسابات القوى المتصارعة عند محاولة استقراء الموقف الأميركي والبناء عليه، من زاوية تدخل واشنطن عسكرياً على نطاق واسع أو محدود أو الامتناع عنه، ولكل طرف حساباته وفقاً لذلك، أو بمعنى آخر تتبع رياح (العصا الغليظة) الأميركية والبناء عليها، سلباً أو إيجاباً، في تقدير الموقف الراهن واللاحق.


    كل ذلك أدى إلى إعادة قولبة مقولة الراحل السادات، لتستغرق البحث عن حلول للأزمات الداخلية في بعض البلدان العربية، وجوانب من العلاقات البينية على المستوى الرسمي العربي، مما حدا بالكثيرين، رسميين وغير رسميين، لوضع كل أوراقهم في سلة واشنطن والتعويل على دورها العسكري والسياسي، من مواقع وغايات متناقضة.


    رهان قاتل، ثمة من جربه سياسياً وفشل، وثمة من جربه عسكرياً ولم يكن نصيبه بأحسن حالاً، لكن هذا لم يمنع آخرين من مواصلته عملاً بمقولة (99% من أوراق الحل بيد أميركا)، غير أن فاقد الشيء لا يعطيه، فالولايات المتحدة لا تعمل إلا خدمة لمصالحها غير المشروعة التي تتناقض جوهرياً مع مصالح شعوب المنطقة والعالم أجمع.

     

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)


    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik