12:43 26 يوليو/ تموز 2017
مباشر
    اليمن

    خناجر سلطة الأمر الواقع في اليمن

    © AP Photo/ Hani Mohammed
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 113340

    "الإعلان الدستوري" الذي أصدره الحوثيون يلقي اليمن في مجاهيل سياسية وأمنية، بإجهاض المسار الانتقالي والاستفراد بالسلطة.

    عامر راشد

    توَّج الحوثيون محاولة بسط سيطرتهم على الدولة اليمنية، يوم أمس الجمعة، عبر ما أسموه بـ"إعلان دستوري"، من شأنه أن ينهي المرحلة الانتقالية المقرَّة حسب جدولة المبادرة الخليجية، والآليات التنفيذية التي صادق عليها مجلس الأمن الدولي، ويؤسس لمرحلة انتقالية جديدة، لمدة عامين، بإدارة حوثية مباشرة ومنفردة، من خلال حل البرلمان، وتشكيل "مجلس وطني" بديل و"مجلس رئاسي"، تختارهما وتشرف عليهما "لجنة ثورية" برئاسة محمد علي الحوثي، شقيق زعيم جماعة "أنصار الله" عبد الملك الحوثي.

    الحوثيون سبق أن هددوا باتخاذ مثل هكذا إجراء دراماتيكي، إذا ما فشلت حوارات الفرصة الأخيرة بين الأحزاب والقوى اليمنية، برعاية المبعوث الدولي إلى اليمن، جمال بن عمر. ومنذ استقالة الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، ورئيس الوزراء خالد بحاح، كان من الواضح أن إمكانية نجاح الحوارات شبه معدومة، لتمسك الحوثيين بشروط الحد الأقصى، بغية المحافظة على هيمنتهم المسلحة على العاصمة صنعاء، في أيلول (سبتمبر) الفائت، وتمددها إلى العديد من المحافظات اليمنية.

    لا أدل على ذلك من أن الحوارات وصلت إلى طريق مسدود وانهارت، جراء رفض الحوثيين انسحاب مقاتليهم من صنعاء، ووضع ترتيبات أمنية متوافق عليها وطنياً، رغم أن المتحاورين، برعاية بن عمر، توصلوا إلى اتفاق مبدئي على تشكيل "مجلس رئاسي" برئاسة شخصية مستقلة، يتولى إدارة البلاد لمدة عام، لاستكمال العملية الانتقالية وحل القضايا العالقة.

    وبإصدارهم لما يسمى بـ"الإعلان الدستوري" ذهب الحوثيون إلى الحد الأقصى الممكن من توظيف فائض القوة لديهم، بتجاوز "المبادرة الخليجية" وقرارات مجلس الأمن الدولي ومخرجات الحوار الوطني، وتقديم تفسيرات فئوية خاصة لاتفاق "السلم والشراكة"، غير مكتفين بالمكاسب الكبيرة التي أعطاها لهم الاتفاق. إلا أنهم أدخلوا أنفسهم في "معادلة صفرية" من الصراع، إما انتزاع كل مطالبهم ورضوخ الأحزاب والقوى السياسية لها، أو الاستفراد بالسلطة بغطاء هامش ضيق من التحالف مع أنصار الرئيس السابق، على عبد الله صالح، وقوى صغيرة لا وزن لها.

    خطأ في الحسابات الإستراتيجية قاد الحوثيين إلى استسهال فض الحوار، الذي ترعاه الأمم المتحدة، وإغلاق الباب أمام الشراكة الوطنية، في هروب من مأزق توظيف القوة المسلحة التي تفوق وزنهم السياسي والمجتمعي، أوقعهم في مأزق أكبر، بإلقاء أنفسهم والآخرين في دائرة أوسع من الأزمة المفرغة والمركبة في اليمن، الدستورية والسياسية والأمنية، بخلفياتها الجهوية والمذهبية والقبلية، وتداعياتها الإقليمية والدولية.

    فإصدار الحوثيين ما يسمونه بـ"الإعلان الدستوري" يضعهم في مواجهة مع الجميع، ستستنفد فائض القوة لديهم سريعاً، وتعجل في خسارتهم لها، وستضطرهم عاجلاً أم آجلاً إلى التراجع، بل والتنازل عن الكثير من المكتسبات التي حققوها باستخدام السلاح، منذ بسط سيطرتهم على العاصمة صنعاء، لأنهم يفتقرون إلى أدنى مقومات حكم البلاد وإدارتها، لضعف خبرتهم السياسية، ومحدودية تمثيلهم السياسي والمجتمعي، وعدم مشروعية ودستورية الخطوة التي أقدموا عليها.

    ووضع الصراع في ركاب "معادلة صفرية" يفرض حسابات مختلفة جذرياً، لا تستند إلى ميزان القوى الراهن، إنما إلى ميزان قوى متحرك، وسيبقى متحركاً، حتى يصبح متوافقاً مع الثقل الحقيقي للمكونات المجتمعية اليمنية، وتعبيراتها الحزبية والسياسية والجهوية والقبلية، التي يشكل الحوثيون فيها مكوناً رئيسياً، لكنه يمثل أقلية مجتمعية ومذهبية وسياسية.

    ومن المحير في أي تحليل منطقي لحسابات الحوثيين، التي شجعتهم على إصدار "الإعلان الدستوري"، أنهم اختاروا إحراق كل سفنهم، وتسلقوا شجرة عالية لا يمكنهم النزول عنها، إلا بتقديم تنازلات جوهرية، ومؤلمة لهم، حتى تعود البلاد إلى سكة الانتقال لوضع طبيعي، مما يخرج خطوتهم من تقدير أنها تندرج في سياق الضغط تكتيكياً على القوى السياسية التي تختلف معهم.

    أياً يكن، اليمن بات أمام سيناريوهين، لا ثالث لهما، الأول أن يواصل الحوثيون مشروعهم الخاص للاستحواذ على السلطة، والثاني تراجعهم قبل فوات الأوان. سيترتب على الأول انفلات النزعات الانفصالية، بخاصة في المحافظات الجنوبية، وتصاعد وتيرة الصراع المذهبي والقبلي، ودخول البلاد في مجاهيل سياسية وأمنية. بينما سيترتب على الثاني، في شكل أو آخر، تحجيم دور الحوثيين، وإرساء معادلة جديدة.

    وفي كلا السيناريوهين الحوثيون على موعد مع الخسارة، بيد أن خسائرهم في السيناريو الثاني أقل، وتبقي عليهم كلاعب رئيس في المعادلة السياسية والأمنية، هذا في حال تراجعوا في الوقت المناسب، وقبل  استنفاد كامل فائض قوتهم، وهم استنفدوها بالفعل، فخناجر سلطة الأمر الواقع لا تصنع دولة تضم الجميع، ولا توحد أبناء اليمن على أساس احترام حقوق المواطنة والشراكة الوطنية.    

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)    

    انظر أيضا:

    الحوثيون يعيدون تشكيل اللجنة الأمنية العليا في اليمن
    "الحوثيون": الإعلان الدستوري سيصدر من القصر الجمهوري بصنعاء
    مجلس الأمن الدولي مستعد لاتخاذ إجراءات ضد المتمردين لحل النزاع في اليمن
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik