07:32 22 أغسطس/ أب 2017
مباشر
    الدواعش يقومون بتدمير مقتنيات متحف مدينة الموصل العراقية

    إنهم ينحرون التاريخ

    © REUTERS/ Social media Web site via Reuters TV
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 62241

    انحطاط (الدواعش) وجهالتهم الظلامية تشويه للإسلام والقيم البشرية في العصر الحديث، وتغلغلهم في المجتمعات العربية يهدد هويتها ومستقبلها.

    أقل من عام واحد كان كافياً لتنظيم (داعش) كي يسجل في كتب التاريخ آلاف الصفحات من الدموية والهمجية، التي تشوِّه صورة معتقدات المسلمين وتثخنهم بالجراح، وتعتدي على قيم الإنسانية وتراثها، بجهالة ووحشية قلَّ نظيرها، تحت قناع تزييف الدين الإسلامي.

    جريمة جديدة، ولن تكون الأخيرة، أقدم عليها (الدواعش) بتدمير مقتنيات متحف مدينة الموصل العراقية، التي تضم تحفاً من الحضارة الآشورية والأكادية وباقي حضارات بلاد الرافدين، وقبلها قاموا بتفجير مكتبة المدينة المنكوبة، وإحراق عشرات آلاف الكتب والوثائق التاريخية النادرة.

    شريط فيديو مدته 5 دقائق، نشره تنظيم (داعش)، يظهر رجالاً ملتحين وهم يحملون مطارق وأدوات حفر كهربائية ويحطمون الثور الآشوري المجنح، رمز الحضارة الآشورية الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وعدداً من التماثيل.

    ويعلق أحد (الدواعش) الذين ظهروا في شريط الفيديو على الجريمة بالقول: "أيها المسلمون إن هذه الآثار التي ورائي إنما هي أصنام وأوثان لأقوام في القرون السابقة، فإن ما يسمى الآشوريين والأكاديين كانوا يتخذون آلهة المطر وآلهة الزرع وأخرى للحرب يشركون بالله ويتقربون إليها بشتى أنواع القرابين.. أمرنا رسول الله بإزالة التماثيل وطمسها، وفعل ذلك الصحابة من بعده، لما فتحوا البلدان، وإن هذه التماثيل والأصنام وهذه الآثار عندما أمر الله بطمسها وإزالتها هانت علينا، ولا نبالي وإن كانت بمليارات الدولارات…".

    جهل ما بعده جهل، يعمي أبصارهم وبصائرهم عن إدراك القيمة الإنسانية لتراث الآشوريين والأكاديين، ومنطق لصوص يتاجرون بشعارات دينية وهم يحطمون الأوابد والآثار، التي لا يستطيعون السطو عليها وبيعها لتمويل عمليات القتل والذبح والترويع.

    وافتراء على التاريخ الإسلامي، فمن الثابت أن المسلمين لم يتعرضوا للآثار في البلدان التي دخلوها، بل حافظوا عليها، وإلا لما بقيت قائمة وموجودة إلى يومنا كما هي، واحترموا أماكن العبادة لأصحاب الديانات الأخرى ومقدساتهم.

    إلا أن المنطق التحريفي والمتطرف لـ(الدواعش) لا ينفع معه الجدل، فهو ثمرة سامة من ثمار تراكم تاريخي طويل، أنتج ظواهر متطرفة في التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه، ويمثل الجهل بالدين أبرز سماتها، وهي مشكلة مزمنة، تكفِّر المجتمعات وتحض على القتل، مردها مفاهيم وتصورات خاطئة ومشوهة، تتمسك بمقولات متوارثة منذ قرون، مصحوبة بتطرف عملي، دون أن تخضع لنقد أو تحليل منطقي.

    وتؤكد الدراسات أن الدوافع والأبعاد التي تكمن وراء العنف والتطرف الفكري، بنسخه الحديثة في المجتمعات العربية والإسلامية، تتمثل في الاضطرابات المجتمعية، جراء تسييس الدين والتحيز للهوية الطائفية، وفوضى الثقافة الدينية، بسبب الاجتهادات الخاطئة لبعض رجال الدين وإخراج النص الديني عن إطاره الأصلي، والأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، وتدني مستوى التعليم، وضعف البنية المؤسسية للدولة والانفلات الأمني، وكلها أسباب تستغلها الجماعات الإرهابية المتطرفة، مثل تنظيمي (داعش) و(القاعدة) لإغراء الشباب بحلول وهمية ترسخ الفكر الغلوَّ لديهم، ورفض الآخر، الذي قد يختلف معه في الرأي أو العقيدة، وممارسة عنف دموي ضده.

    ويستنج من دوافع التطرف وأبعاده أن محاربته غير ممكنة بوسائل عسكرية وأمنية فقط، لأن استئصاله يتطلب تنقية المجتمعات من شوائب الغلو الديني والطائفي، بتعديل المناهج الدينية كي تعكس المفاهيم الصحيحة للعقيدة، ووقف فوضى الفتاوى الدينية التحريفية، والتشجيع على التقارب بين الأديان والطوائف والمذاهب، والحث على الانفتاح على الآخر من خلال الاطلاع على ثقافته وفكره ومعتقده وقيمه المجتمعية.

    وهي معركة طويلة، يقع العبء الأكبر منها على كاهل العرب والمسلمين، فالتنظيمات الإرهابية المتطرفة،  وإن كان يصح وصفها بـ(نبت شيطاني)، تتغذى على موروث من المفاهيم المغلوطة، تدفع أصحاب النفوس المريضة إلى ارتكاب مذابح شنيعة بحق البشر والحجر والتراث الإنساني، فتنظيم (داعش) الذي مارس عمليات ذبح بشعة راح ضحيتها المئات من الأبرياء، في العراق وسورية وليبيا، ينحر اليوم حضارة الآشوريين والأكاديين والسومريين والفينيقيين والآراميين، في بلاد ما بين النهرين والشام، التي أهدت للبشرية أبجديتها الأولى.

    وإذا لم تتوحد جهود الجميع في مواجهة (الدواعش)، وأمثالهم من المتطرفين الجهلة، سنصحو ونمسي كل يوم على جريمة جديدة ومروعة من جرائمهم، وتغلغلهم في المجتمعات العربية والإسلامية يهدد هويتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الكلمات الدلالية:
    داعش, العراق
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik