03:17 24 أغسطس/ أب 2017
مباشر
    أحداث تونس

    النموذج التونسي في خطر؟!

    © REUTERS/ Amine Ben Aziza
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 95120

    الأحداث التي تشهدها تونس في الأيام القليلة الماضية تبعث على القلق إزاء تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، وتضع علامات استفهام حول مستقبل العملية السياسية، بعد أن كانت تونس قد تجاوزت العديد من المحطات الصعبة منذ عام 2011.

    الدرس الأول الذي أفرزته "ثورة الياسمين" في تونس عام 2011 يتلخص في أن تجاهل المطالب الاجتماعية، وعدم حل المشاكل الاقتصادية لاسيما البطالة بين صفوف الفئات الشابة، يمكن أن يفجر حراكاً شعبياً عاصفاً، يفرض تغيرات كبيرة، كما وقع مع نظام حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الذي كانت شرارة الثورة الشعبية عليه إقدام الشاب محمد البوعزيزي بإحراق نفسه في مدينة سيدي بوزيد، احتجاجاً على مصادرة البلدية لعربة خضار كان يكسب لقمة خبزه من ورائها، واستنكاراً لرفض السلطات في المدينة قبول شكوى تقدم بها ضد شرطية صفعته أمام حشد كبير من الناس.

    الدرس الثاني؛ خطأ المراهنة على حلول أمنية، لا تنفع في قمع مئات آلاف من البشر نزلوا إلى الشوارع، وسبق تونس، وتجارب البلدان العربية الأخرى التي شهدت حركات شعبية معارضة، عشرات التجارب في بلدان العالم، أثبتت أن الاعتراف بالأخطاء، والعمل بجدية على تصويبها، هو السبيل الوحيد لتلافي المواجهة بين الحكومة والشارع، بعيداً عن استخدام القوة وحرف الحراك الشعبي المعارض عن الطابع السلمي، وإلا سيكون للشارع في نهاية المطاف الكلمة الفصل، إن عاجلاً أم آجلاً.

    الدرس الثالث، على ضوء وقائع الأعوام الخمسة الماضية، إن استنهاض الأوضاع الاجتماعية، ومعالجة المشاكل الاقتصادية، يتطلب أولاً وقبل أي شيء آخر مكافحة الفساد في مؤسسات الدولة، والتعامل بشفافية من قبل الهيئات الحكومية المختصة.

    الاحتجاجات الشعبية الواسعة، التي شهدتها مدينة القصرين، وامتدت إلى العديد من المدن التونسية، أعادت التذكير بالدروس الثلاثة لـ"ثورة الياسمين"، إذ تفجرت الاحتجاجات على خلفية معاناة الشباب من معدلات البطالة المتفاقمة في البلاد، وعدم تحقيق معدلات تنمية كافية في البلاد، فضلاً عن عدم وضع برامج فاعلة وشاملة لمكافحة الفساد في مؤسسات الدولة، واتهام الحكومة بالتهاون مع رموز الفساد في عهد نظام زين العابدين بن علي، والعمل على إجراء مصالحات معهم لا تكفل استعادة الأموال والثروات التي استولوا عليها بطرق غير مشروعة.

    يضاف إلى ما سبق حالة الانقسام السياسي، والاحتقان بين مكونات الائتلاف الحكومي والمعارضة، رغم مخرجات الحوار الوطني، وإجراء العملية الانتخابية العام الماضي، التشريعية والرئاسية، في أجواء من الشفافية والنزاهة وقبول الجميع بنتائجها، وتشكيل حكومة ائتلافية تضم الحزبين الأكبر في البرلمان، حزب "نداء تونس" و"حركة النهضة"، مما يذكِّر بالقاعدة الذهبية لمرحلة ما بعد الثورات، التي يجب أن تحكم بتوافقات وطنية بين كل الشركاء، وليس بقوانين الأغلبية والأقلية، فالأخيرة تصلح فقط في حال وجود استقرار سياسي ومجتمعي وأمني، وديمقراطية راسخة.

    من هذه الزاوية، إن محاولة بعض القوى السياسية في المعارضة ركوب موجة الاحتجاجات الشعبية، وإظهار نفسها بمظهر القائد والموجه والضابط للاحتجاجات، وإثقالها بأبعاد سياسية فئوية، تحمل في طياتها خطر انقسام الشارع التونسي على نفسه، عبر قيام تظاهرات وتظاهرات مضادة، وحدوث مواجهات مع الأجهزة الأمنية، تُخرج حراك الشارع عن طابعه السلمي وتنزلق به نحو منازلات دموية، تضع مستقبل البلاد أمام مجاهيل سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، استطاع النموذج التونسي حتى الآن إنقاذ تونس منها.

    وأمام تجدد الاحتجاجات الشعبية، واتساع نطاقها، لا ينفع التذكير بأن البلاد مازال يطبق فيها قانون الطوارئ، ولا ينفع أيضاً فرض حظر التجول ليلاً، ولا الشكوى من أن الحكومة لا تمتلك عصا سحرية، بل يجب العودة فوراً إلى منطق الحوار الوطني، وتكاتف الجميع من أجل وضع حلول سريعة وفاعلة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المعيشية، ومكافحة الفساد، وتنفيس الاحتقان السياسي.

    فالديمقراطية والتغيير لا تعني الذهاب إلى صناديق الاقتراع فقط، واعتلاء سدة الحكم ما بعد الثورات "مغرم وليس مغنم"، وهذا هو الدرس الرابع لـ"ثورة الياسمين"، ونتمنى أن تدركه كل القوى السياسية التونسية، في السلطة والمعارضة على حد سواء، حتى يمكن الحفاظ على النموذج التونسي للحراك الشعبي المعارض، الذي لقي خلال السنوات الخمس الماضية احترام كل العالم، بنموذجه السلمي وجنوحه نحو الحوار والقبول بنتائجه، والذي فاز بموجبه رباعي الحوار التونسي بجائزة "نوبل للسلام".

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه)

    انظر أيضا:

    توقيف نحو 123 شخصا على خلفية الاحتجاجات في تونس
    الرئيس التونسي: تونس مستهدفة في أمنها واستقرارها
    تونس... توسع الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين على البطالة
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik