20:25 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2018
مباشر
    عملية السلام في الشرق الأوسط

    القمة العربية غير المرغوب فيها

    © AP Photo / Amr Nabil
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 50

    طلب المغرب تأجيل القمة العربية الدورية لهذا العام، ومن ثم اعتذاره عن استضافتها، يؤشر إلى ما وصلت إليه العلاقات البينية العربية، وعجز المؤسسات العربية المشتركة عن الخروج بمعالجات، أو بمواقف حتى لو بالحد الأدنى، بخصوص ما تعانيه العديد من البلدان العربية من صراعات وأزمات.

    جرت العادة أن يسبق القمم العربية العادية والاستثنائية تحركات سياسية واستعدادات واسعة من قبل البلد المضيف، حظيت على الدوام بحملات إعلامية مكثفة، تتبعها حملات أخرى احتفاء بالقمم وقراراتها، رغم أنه في كثير من الأحيان لم تكن القرارات الصادرة بالمستوى المطلوب، ناهيك عن عدم أخذها لطريقها نحو التنفيذ، مما جعل وظيفتها تقتصر على رفع العتب. غير أن القمم بقيت مطلوبة بحد ذاتها، لأن انعقادها ولو شكلياً كان يؤدي غرضاً على الصعيد الدعاوي، تحرص كل الحكومات على توظيفه بطرق شتى، حسب مصلحة هذه الحكومة أو تلك.

    صورة يُنظر إليها اليوم وكأنها من صور ماض بعيد، الاحتفاظ بها في الذاكرة ترف زائد، فثمة واقع مأساوي تنوء تحته الشعوب العربية، سواء تلك التي تعاني من صراعات دموية وأزمات حادة في بلدانها، أو تلك التي تتأثر بتداعيات أوضاع أخوتها وتخشى من تمدد الصراعات والأزمات، من بوابة استغلال تناقضات مجتمعية لم تجد طريقها للحل خلال عقود طويلة، أو إثارة نعرات طائفية ومذهبية وقبلية وعشائربة واثنية، كان يروج حتى وقت قريب بأنه تم تجاوزها وتتغنى الحكومات بهذا الانجاز الكبير، بينما في حقيقة الأمر جرى تجاهلها، بل حافظ البعض عليها لاستخدامها كسلاح، ونرى اليوم النتائج الفظيعة لتوظيفها في العراق وسورية واليمن وليبيا والسودان.

    ولا يخلو أي بلد من باقي البلدان العربية من قنابل موقوتة تهدد بانقسامات المجتمعات على نفسها، تحت يافطة الصراع الديني والمذهبي والقومي، فضلاً عن التفاوت الطبقي- المجتمعي الهائل، كنتيجة لفشل مشاريع بناء دول مدنية حديثة، دول لكل مواطنيها، ومحكومة لقواعد الالتزام بالحرية والديمقراطية وحرية الاعتقاد، والتعددية السياسية والثقافية، وتمكين المرأة ومساواتها مع الرجل، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية وإتاحة تكافؤ الفرص للجميع، ومكافحة الفقر والفساد بمختلف أشكاله، وإرساء قواعد تنمية شاملة ومستدامة.. الخ.

    وكان يمكن لـ"الفضاء العربي المشترك" إن صح التعبير، من خلال جامعة الدول العربية والمنظمات والإدارات التابعة لها كذراع تنفيذية لمؤسسة القمم العربية، أن يوفر مستلزمات استنهاض المجتمعات العربية، فيما لو وظفت الثروات الطائلة والطاقات البشرية الكبيرة، إلا أن السياسات التي اتبعت أدت إلى تبديد ثروات لا تعوض، وتضييع إمكانيات طاقات بشرية لأربعة أجيال، وخنقها وكبتها، منذ عهد الاستقلال. ولم يكن الدور المرسوم لمؤسسات العمل العربي المشترك، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، أن تكون إطاراً لحل الخلافات العربية، بل إدارتها على نحو حوَّل مؤتمرات القمم العربية، واجتماعات الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، في العديد من المحطات، إلى ساحة لتبادل الشتائم والاتهامات بين القادة والوزراء العرب، لكن يمكن القول، وهذا ليس من باب الإشادة والمديح، إن إدارة الخلافات بقيت تحافظ على وجود وتماسك القمة وجامعة الدول العربية ومؤسساتها، ولو شكلياً.

    وأمام تنامي الصراعات والأزمات العربية وخروجها عن نطاق السيطرة تزداد الحاجة الماسة إلى مؤسسات العمل العربي المشترك، إلا أن الاتجاه الرسمي العربي يسير عكس السير، حيث بات ينظر إلى القمم العربية ودور جامعة الدول العربية بمثابة إضاعة للوقت، ولم يعد يعول عليها حتى في إدارة الصراعات والأزمات للتخفيف منها ووضع قواعد لها تمنع خروجها عن السيطرة والضبط، وفقدت القمم وظيفتها (المناسباتية)، حيث لا يمكن التغطية على حالة الانقسامات والصراعات البينية الرسمية العربية.

    من هذه الزاوية، يمكن فهم طلب المغرب تأجيل القمة العربية العادية التي كان من المفترض أن يستضيفها في آذار (مارس) المقبل، ومن ثم اعتذاره عن استضافتها، ففرص نجاح القمة صفر مكعب، ولا يمكن لعاقل توقع صدور نتائج إيجابية عنها، وللتذكير الحديث هنا عن نتائج ولو بالحد الأدنى، ووصل سوء الحالة الرسمية العربية إلى درجة أنه من الصعب ضمان المشاركة في إعمال القمة بتمثيل رفيع المستوى.

    وقد يكون الشيء الوحيد الذي كان من الممكن أن يميز أعمال القمة ترديد اسم الجامعة العربية في نشرات الأخبار لأيام معدودات، كخبر خامس أو سادس، بعد أن كاد المواطنون العرب ينسون أن الجامعة ما زالت موجودة، وعلى قيد الحياة في غرفة إنعاش كان يفترض أن تغادرها لفترة وتعود إليها بانتهاء احتفالية عربية على مستوى القمة، لم يكن من المنتظر أن تغير شيئاً.

     

     

     

     

     

    انظر أيضا:

    القضية الفلسطينية تتصدر أجندة القمة العربية ـ اللاتينية
    مقعد سوريا شاغراً في القمة العربية الـ 26 في شرم الشيخ
    الجامعة العربية: مصر وجهت الدعوة لكل القادة العرب لحضور القمة
    الكلمات الدلالية:
    العالم العربي
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik