08:21 25 سبتمبر/ أيلول 2017
مباشر
    علم الجزائر

    فرنسا والعقلية الاستعمارية

    © AP Photo/ Anonymous
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 45861

    الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، على ضوء تصريحات مستفزة أدلى بها السفير الفرنسي في الجزائر، تظهر أن السياسة الفرنسية مازالت تتصرف وكأن الاستعمار الفرنسي مازال قائماً.

    لا يحتاج الجزائريون إلى من يذكّرهم بالفظائع التي مر بها آباؤهم وأجدادهم في الحقبة الاستعمارية، فالذاكرة الجزائرية تختزن أهوالاً لا يمكن نسيانها، عمليات إبادة جماعية وجرائم مروعة ارتكبها جيش الاحتلال الفرنسي ضد المدنيين،  كي يهزموا إرادة الشعب الجزائري، لكن الجزائريين استطاعوا أن ينتصروا على جيش الاستعمار الفرنسي وأجبروه على الرحيل، وكان الثمن أرواح مئات الألوف من الجزائريين. وسجل جنرالات فرنسيون شهادات على همجية ودموية سلوك جيشهم في الجزائر.

    من تلك الشهادات، على سبيل المثال لا الحصر، يروي جنرال فرنسي يدعى مونتانياك: "أخبرني بعض الجنود أن ضباطهم يلحون عليهم ألا يتركوا أحداً حياً بين العرب.. كل العسكريين الذين تشرفت بقيادتهم يخافون إذا أحضروا عربياً حياً أن يجلدوا..". ويضيف في شهادة أخرى: "لقد محا الجنرال لاموريسيير (La Moricière) من الوجود خمسة وعشرين قرية في حملة واحدة، إنه عمل أكثر انعداما للإنسانية".  ويسجل ضابط فرنسي آخر يدعى تارنو شهادة في مذكراته اليومية، لا تقل قسوة عن الشهادة السابقة، بالقول: "إن بلاد بني مناصر رائعة، لقد أحرقنا كل شيء، ودمرنا كل شيء..آه من الحرب!!! كم من نساء وأطفال هربوا منا إلى ثلوج الأطلس ماتوا بالبرد والجوع.. إننا ندمر، نحرق، ننهب، نخرب البيوت، ونحرق الشجر المثمر.. أنا على رأس جيشي أحرق الدواوير والأكواخ ونفرغ المطامير من الحبوب، ونرسل لمراكزنا في مليانة القمح والشعير..".

    وحاول الاستعمار الفرنسي شطب الهوية الوطنية والقومية للشعب الجزائري، وانتمائه العربي الإسلامي، بالتضييق على تدريس اللغة العربية، ومنع تدريس التاريخ الجزائري والإسلامي، وحظر تدريس العديد من الآيات القرآنية في مادة التربية الدينية، لاسيما الآيات التي تتحدث عن الجهاد، وأصدرت الحكومة الفرنسية في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي قراراً يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية ويمنع استخدامها. كما سعى الاحتلال الفرنسي إلى بث الفرقة،  وإثارة نعرات عرقية واثنية وجهوية، بين أبناء الشعب الجزائري الواحد.

    واعترفت فرنسا بإجراء تجارب نووية في الجزائر، في خمسينيات وستينات القرن الماضي، بمشاركة خبراء نوويين إسرائيليين، وواصلت فرنسا إجراء تجاربها وبحوثها النووية إلى منتصف 1966، وأدت التجارب إلى الإضرار بحياة سكان والبيئة في جنوب الجزائر، وتقدر عدد التجارب بـ57 تجربة، وصل ضررها إلى دول الجوار الجزائري والشمال الأفريقي، بينما رفضت فرنسا تحمل مسؤولية جريمتها.

    وعلى امتداد عقود طويل بقي المسؤولون الفرنسيون يرفضون الاعتذار للشعب الجزائري التي ارتكبها الجيش الفرنسي بحقهم خلال 130 سنة من الاستعمار، فالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي رفض الاعتذار، بل اعتبر في تصريح وقح أن الاستعمار الفرنسي للجزائر "شكَّل إضافة حضارية لهذا البلد، ولا يختلف موقف الرئيس هولاند عن موقف سلفه، فهو يرفض أيضاً الاعتذار للجزائريين.

    السفير الفرنسي في الجزائر، برنار إيمييه، كشف عن الجانب الأكثر خطورة ورعونة في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الجزائر وبلدان شمال أفريقيا العربية، بإعلانه عن خطة فرنسية لتعزيز العلاقات مع سكان القبائل في الجزائر، دون العودة للحكومة الجزائرية، وفي إشارة توضح طبيعة ما تريده فرنسا من وراء تصريح سفيرها في الجزائر، كشف الأخير عن أن بلاده "تمنح نحو 60 في المئة من التأشيرات إلى الجزائريين المتحدرين من منطقة القبائل".، وهو ما أثار غضب الحكومة الجزائرية، وعبَّر عن ذلك وزير الخارجية الجزائري، رمضان لعمامرة، بالتوجه للسفير الفرنسي بالقول: " في الدبلوماسية التي هي مهنتنا لا يجب أن نميّز بين مواطني البلد الذي نحن معتمدون فيه..".

    رد دبلوماسي من قبل وزير الخارجية الجزائري، فيه تحذير واضح لفرنسا من مغبة الانزلاق نحو اللعب بالمعدة الجزائرية، غير أن تصريح السفير الفرنسي يضغط على جراح الجزائريين التي يحملونها منذ الحقبة الاستعمارية الفرنسية، ويلف العلاقات الفرنسية الجزائرية بغمامة سوداء، لأن السياسة الفرنسية تتصرف حتى الآن وكأن فرنسا قوة استعمارية كبرى مازالت في أوج الحقبة الاستعمارية..

    إنها إفرازات العقلية الاستعمارية التي تربت عليها أجيال من السياسيين الفرنسيين، وآن الأوان للإقلاع عنها، بتعلم السياسيين والدبلوماسيين الفرنسيين التواضع، والتعامل بواقعية مع حجم ودور بلادهم، واحترام سيادة الدول الأخرى وحقوق شعوبها، وهو ما يتطلب أن يخرج السياسيون والدبلوماسيون الفرنسيون من رؤوسهم أوهام العقلية الاستعمارية المريضة، وليس إخراج رؤوسهم خارج التاريخ.   

     

    انظر أيضا:

    فرنسا تتهم كاهناً لبنانياً بالتحرش بأطفال
    مظاهرات في فرنسا تتحول لمواجهات دامية بين الشرطة والمتظاهرين
    طبيب "سفّاح": فرنسا تلقي القبض على "طبيب أسنان"، فشاهد لماذا!
    الكلمات الدلالية:
    أخبار فرنسا, حرب, الجزائر, فرنسا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik