06:35 15 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    مقدم برامج التلفزيون والراديو الأمريكي غوفارد ستيرن

    برامج "التوك شو" والفوضى الإعلامية

    © AP Photo/ Scott Roth
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 20

    انتشار ظاهرة العمل على صناعة "المذيع النجم"، والتوسع في أعداد وساعات البرامج الحوارية "التوك شو"، بات يعطي مفاعيل عكسية تساهم في انتهاك قواعد العمل الإعلامي وأهدافه، وخلق بلبلة في أوساط الرأي العام.

    تتسابق القنوات الفضائيات العربية الخاصة على اجتذاب أكبر عدد من المشاهدين من خلال التركيز على اجتذاب واحد أو أكثر من المصنفين في خانة من يصطلح على تسميتهم بـ"المذيع النجم"، لتقديم برامج حوارية "توك شو" تبث عادة في ساعات الذروة من حيث نسب المشاهدة، ما بين الثامنة والحادية عشرة مساء، وليس من قبيل المبالغة أن بعض القنوات تعتبر أن برنامج "مذيعها النجم" أهم وجبة إعلامية تقدمها لجمهور متابعيها.

    على سبيل المثال لا الحصر، في مصر وحدها تقدر عدد ساعات برامج "التوك شو" المسائية على القنوات المصرية أكثر من 30 ساعة وسطياً، ويمكن في مناسبات خاصة أن تتضاعف المدة، وهناك 13 محطات فضائية تبث برامج من هذا النوع، يشارك فيها أكثر من عشرين مذيعاً ومذيعة، وتتنافس عشرة برامج على جذب اهتمام المشاهدين. وتأتي القنوات الفضائية اللبنانية في المرتبة الثانية بعد القنوات المصرية لجهة عدد برامج "التوك شو".

    قبل تقييم ظاهرة صناعة "المذيع النجم" وما يقدم في البرامج التي يفترض أن تكون حوارية، لابد من الإشارة إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، وأن العديد من البرامج وصلت في مراحل معينة إلى نسب متابعة كبيرة جداً، لكنها ما لبثت أن انحدرت إلى أن اندثرت تلك البرامج، وانطفأت نجومية من كانوا يقدمونها. ويلاحظ عودة الاهتمام بها واتساع نطاقها خلال السنوات الخمس الماضية، على ضوء الاستقطاب السياسي والمجتمعي الحاد في البلدان العربية. الملاحظة الثانية أكثرية البرامج الحوارية أو "التوك شو" لا تنطبق عليها التعريف المعجمي الإعلامي لهذا الصنف من البرامج، الذي يفترض أن يكون "عبارة عن حوار بين مذيع وضيف أو أكثر حول مواضيع محددة، وان تناقش بحيادية"، بينما في برامج "التوك شو" التي تعرض على معظم الفضائيات المصرية والعربية  يغلب طابع الصوت الواحد، ويحاول المذيع أن يكون مهيمناً على البرنامج والحوار مع الضيوف، وأن يظهر نفسه في قالب قائد سياسي.

    تجمع غالبية الخبراء الإعلاميين في مصر أن عام 2015  حفل بسقطات كثيرة وكبيرة لـ"نجوم التوك شو"، بتجاوز القيم والمبادئ المهنية، والاعتداء على الخصوصية بإثارة فضائح التعرض لها يخدش الحياء، وعدم مراعاة الذوق العام، وتحويل البرامج إلى ساحة للشتائم المتبادلة، ناهيك عن المبالغة والتهويل وعدم المصداقية في كثير من الأحيان. وأدى التنافس المحموم بين الفضائيات على بث برامج "توك شو" إلى اختلاط "الغث مع السمين"، فعدد قليل من البرامج حافظت على مستوى مهني مقبول، بينما العديد منها أصبحت أقرب ما يكون إلى "صراع الديوك"، ساهمت في ترويج معلومات مشوشة، بل وغير صحيحة في كثير من الأحيان، وتفرد بعض البرامج مساحات واسعة لقضايا هامشية وتافهة.

    الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، انتقد في مشاركة له في أحد البرامج الحوارية  مضمون برامج "التوك شو"، لأنها تتضمن ألفاظاً سوقية ومسيئة، وطول فترات بثها،  وتساءل خلال حواره ببرنامج "90 دقيقة" المذاع عبر فضائية "المحور"، "فيه برنامج (توك شو) في العالم يستمر لمدة 5 ساعات؟"، وأردف قائلاً: "برامج (التوك شو) في الخارج لا تستمر أكثر من ساعة".

    التجربة اللبنانية في برامج "التوك شو" لا تختلف كثيراً في طابعها العام مع مثيلتها في مصر، مؤسسة "مهارات" عقدت ندوة في 22 كانون الثاني (يناير) 2016، بالتعاون مع مشروع بناء السلام في لبنان التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عرضت فيه للدراسة التي أجرتها بعنوان "رصد البرامج الحوارية في المحطات التلفزيونية"، وحضرها عدد من الإعلاميين، أبرزت الدراسة وجود مخالفات لميثاق "الشرف الإعلامي"، 23% من مقدمي البرامج كانوا منحازين، وهي نسبة مرتفعة في المقاييس العالمية، بالإضافة إلى إتباع  بعضهم أسلوب استفزاز الضيف. وتتشارك البرامج الحوارية على القنوات الفضائية اللبنانية مع نظيراتها المصرية بأن جل اهتمامها ينصب على الموضوعات السياسية، ما يقارب 92%، في مؤشر على حالة الاستقطاب السياسي الحاد. وهذا ينطبق بحدود ما على غالبية البرامج النظيرة في القنوات الفضائية العربية.

    بالنتيجة؛ لا يمكن لغالبية هذه البرامج أن تساهم في بناء المجتمعات، ولا العمل على نشر الثقافة وتطوير وعي الناس، والمساعدة على حل المشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية، بل باتت تعطي مفاعيل عكسية بانتهاك قواعد العمل الإعلامي وأهدافه، وخلق بلبلة في أوساط الرأي العام، مما يستدعي وقفة تقييم لمضمون برامج "التوك شو".

    انظر أيضا:

    مقتل مصور وإصابة أشهر مقدم برامج عراقي في جنوب الموصل
    ستيفين سيغال كاد يقتل مقدم برامج مصري
    هيلاري كلينتون كانت تحصل على تقارير عن برامج "أر تي" بانتظام
    الكلمات الدلالية:
    أخبار العالم, العالم العربي
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik