22:08 GMT23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020
مباشر
    آراء
    انسخ الرابط
    0 63
    تابعنا عبر

    هل يدفع أردوغان ثمن سياسته المتهوّرة، فأصبح الآن بالفعل ضرورة روسية أمريكية في وقت بات يخاف من خياله، وكأنه يحارب الوهم كَـ"الدون كيشوت" الذي حارب طواحين الهواء ولم ينتصر على شياطينها التي اختلقها بنفسه.

    تحت وطأةِ الانتصارات التي حقّقها الجيش السوري وحلفائه في حلب، تاهت البوصلة التي كانت تحدّد سمت التحرّك الإقليمي والدّولي للنيَل من سورية ولإخراج روسيا من منطقة الشّرق الأوسط بالكامل من البوّابة السّورية بعد ست سنوات تقريباً من الحرب الطاحنة، التي استُخدِمَت فيها كل أنواع ووسائل وطُرق المواجهة المحرّمة دوليّاً وإنسانيّاً وأخلاقيّا في الحروب والنزاعات من قبل الحلف الدولي الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وجميعها باءت بالفشل المفجِع لهذه الدول، ولكن كانت فاتورة مقاومة هذه الحرب وتمزيق خطّة مشروع الشّرق الأوسط الكبير، كبيرة جداً من كافّة النواحي، وعلى رأسها محاولات الإبادة الجماعية المنظّمة للشعب السوري بطُرُق تقشعرّ لها الأبدان من الحِصار والتجويع والقتل والذبح والحرمان من كل سُبُل البقاء، ولكن لم ينكسر الشعب السوري بجيشه وقيادته، ولم يتوانَ الحلفاء عن تقديم كل أشكال المساعدة والدعم رغم هوَل الحرب التي أقل ما يمكن أن تُسمّى بحرب عالمية بالوكالة، لكن بعد فشل جميع أساليب الحرب البديلة وعلى كافّة الصُعد الميدانية والسّياسية، وبعد تقطيع أوصال الجيوش البديلة المتمثّلة بالمجموعات الإرهابية المسلّحة، لجأ الطرف المُعتدي لاستخدام أخطر أساليب الردع وهي كثيرة جداً

    وعدّها يطول، لكن كان أمقتها وأكثرها خطورة، هي محاولة اغتيال روسيا، كما جاء على لسان الرئيس فلاديمير بوتين، أثناء اجتماع وزارة الدّفاع الروسية، عبر اغتيال السفير الروسي لدى أنقرة أندريه كارلوف، كونها القوّة الدّولية الرادعة والداعمة لمشروع المواجهة ضدّ الإرهاب في سورية وبتحييدها تتغيّر كل المعادلات وتهتزّ كل موازين القِوى وفق المنظور الأمريكي.

    هذه العملية خطيرة وجاءت في ظل المتغيّرات والمتبدّلات الحالية الخطِرة والدقيقة جداً، لدقّ إسفين في جسد العلاقة الروسية التركية التي مرّت بظروف خطِرة في الفترة الأخيرة، تخلّلها عدّة أحداث بعد إسقاط المقاتلة الروسية في تشرين الثاني عام 2015، وجاءت لمنع التقارُب الروسي التركي على خلفية الانتصارات التي يحقّقها الجيش السّوري وحلفاؤه الروس والإيرانيين والمقاومة ومن معهم من قِوى إقليمية ودولية أخرى ضاقت ذرعاً بالإرهاب الأمريكي المتعدّد الأوجه، فقدَ أردوغان كل سُبل التفاهم مع دول الغرب حول دخوله الاتحاد الأوروبي، بعدما استنفذ كل فُرَص الابتزاز باللاجئين والمجموعات الإرهابية في سورية والتي تسير وتتحرّك من أراضي بلاده.

    ولكن قبل أن نتحدّث عن التّداعيات التي باتت تظهر منذ اللحظة الأولى على الحادث، لابدّ من أن ندقّق في كيفية حدوث العملية وهي أنّ القاتل دخل إلى مكان  العمل الإرهابي بهويّة رجل أمن أو شرطة، وهذا يعني أن الجهاز الذي يتبع له هذا الرجل جهاز أمني مخترق، وتواجد السفير الروسي لم يأتِ فجأة، ولم يتصلوا به حتّى يأتي لحضور الفعالية فأتى على الفور، هذا من المؤكّد كان ضمن برنامج عمل السفير كممثّل لبلده وهو مُخطَر به من قبل، إذاً هذا عمل مُبيّت له والجهة التي خطّطت لهذا العمل الإرهابي رصدت تحرّكات السّفير وكانت على دِراية ببرنامجه، وأن يتحدّث القاتل باللغتيَن التركية والعربية أمر أيضاً له الكثير من الدلالات، وأن يربط عمله الإرهابي بما يجري في سورية وتحديداً في حلب، هو أيضاً رسالة موجّهة ولها أهداف محدّدة، وأن يقتل المجرم السّفير من الخلف وبكل هدوء ويُعطي وجهه للكاميرات أيضاً لم يأتِ من فراغ، ومن ثمّ يتحدّث لمدّة طويلة في الوقت الذي يجب على القِوى الأمنية اتخاذ الإجراء المناسب، وإنهاء رسالته بهذه

    الطريقة، يدّل على توجّه متطرّف أيضاً فيه الكثير من المعاني، بالمُجمل يتّضح أنّ هذه العملية كان مخطّط لها بدقّة عالية، وقد تقف ورائها قِوى وأجهزة إقليمية ودولية أرادت الانتقام من روسيا ومن تركيا على حدٍّ سواء، لكنّها في المضمون ضربة لإردوغان ونظامه السّياسي بالدّرجة الأولى، وخاصّة بعد التوجّهات التركية لِلَعبِ دورٍ إيجابيّ في حلّ الملف السّوري وتحديداً قضية حلب وإخراج المسلّحين من مناطقها الشرقية، وعلى أبواب الاجتماع  الوزاري الروسي التركي الإيراني الذي عُقِدَ بتاريخ 21 ديسمبر/ كانون الأول الجاري،  في موسكو لمناقشة الملف السّوري، وهذا ما لم يرق لبعض القِوى الإقليمية والدولية التي تألمت من هذا النصر، وخسرت كل رهاناتها على إنقاذ القيادات الإرهابية وضبّاط المخابرات والقادة الميدانيين الذين كانوا يقودون العمليات مباشرةً في حلب ويديرون المجموعات الإرهابية، هذه العملية غبية وواضحة بشكلٍ مكشوف جداً من طريق الأداء والتنفيذ والرسائل الموجّهة، يعني نُفِّذَت بوقاحة لم يشهد لها التاريخ مثيل، وعلى أغلب الظن باتت روسيا تماماً تعلم من يقف ورائها، مع بعض الدلائل وهذا ماجعل المتحدّثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا،  تصرّح أن هذه القضية ستُرفَع إلى مجلس الأمن، وهذا ما تعيه روسيا تماماً ما جعلها تعمل على القضية بنفسها بالتعاون مع الطرف التركي، فما شهدناه خلال الجلسات الأخيرة لمجلس الأمن بخصوص سورية لا تُفهَم إلا على هذا النحو، كيف أنّ الولايات المتحدة ودول أوروبا يدعمون المجموعات الإرهابية بشكلٍ مباشر ويحاولون إنقاذهم بأيّ ثمن، وهذه المجموعات قامت بحرق أكثر من عشرين حافلة كبيرة كانت معدّة لنقل العجائز والنساء والأطفال والجرحى من بلدتَي كفريا والفوعة بريف إدلب، ونقضوا كل اتفاق إخلاء المناطق الشّرقية لحلب وتتالت الأحدث وكأنّها مسلسل لا نهاية لحلقاته.

    بطبيعة الحال هذه الحادثة المُفجِعَة من تبِعات السّياسة الخارجية التركية الخاطئة التي استفاق أردوغان عليها متأخّراً بعد أن رمته الولايات المتحدة، وفقد أمله في دخول الاتحاد الأوروبيّ وحتّى فقد كل وزنه ووزن بلده السّياسيّ بسبب دعمه للإرهاب القادم من كل أنحاء العالم إلى سورية، وعندما حاول استدراك ما تبقّى له من كيان قبل السّقوط إلى الهاوية، توجّه نحو التقارُب مع روسيا وإيران، وأبدى استعداداً للَعِبِ دورٍ إيجابيّ في الملف السّوري، حينها أرسِلَت له عدّة رسائل لم يلتفت إليها، فكانت عملية اغتيال السفير الروسي  لدقّ إسفين في هذا التقارُب وإعادة تركيا إلى التخبّط الداخلي والإقليمي والدّولي، ما يُجبِر الحكومة التركية على العودة إلى حضن الغرب، وهنا لا يمكن أن نقلّل من هوَل الحدَث الذي وقع ضدّ رَجُلٍ دبلوماسيّ مسالِم لا يحمل السّلاح ولا يوجد في منطقة نزاع عسكري، وبنفس الوقت نعتقد أنّ العقل الروسي والحكمة الروسية غلبت ردّة الفعل تجاه هذا العمل الإرهابي وفوّتت الفرصة على الجهات التي أرادت أن تحقّق لنفسها مساحة من المناورة لكسب أي جولة ميدانية أو سياسية لإنقاذ نفسها من العار  أمام الرأيّ العام العالميّ في دعم الإرهاب، وها هو أردوغان يصرّح بأن عدم قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي يعود إلى أسباب سياسية ودينية، يعني أردوغان يبقى أردوغان حتى نفوقه.

    مثل هذه العمليات تعرّضت لها روسيا قبل ذلك ثلاث مرّات، فقد تمّ الإعتداء على سفراء روسيا في عشرينيات القرن الماضي، في لوزان بسويسرا، وفي بولندا، حينها كانت أوروبا تُعاني من أزمات سياسيّة واجتماعية حادّة، وكذلك الأمر في عهد شاه  إيران حين هوجِمَت السّفارة الروسية ثلاث مرّات وفي شهر شباط من عام 1829 تمّ قتل سفير الإمبراطورية الروسيّة ألكسندر غربيوييدوف، في عهد القيصر نيقولاي الأول، إذاً هذه الحالة ليست مستجدّة سوِى بالزّمن والمكان تجاه روسيا من قِبَل أعدائها، والغوَص في أسباب وتفاصيل حادثة اغتيال السّفير كارلوف، يحتاج إلى كثيرٍ من التّدقيق والتمحيص في التفاصيل فكلّ السيناريوهات محتملة.  ويمكن أن يكون القاتل من جماعة الذين حاولوا الانقلاب على أردوغان في تموز/ يوليو 2016، وخاف من أن تصل إليه حملة الاعتقال كونه ضدّ سياسة أردوغان الذي حاول استغلال الحدَث للصقِ التُهمة بخصمهِ السّياسي فتح الله غولن، الذي يعيش في أمريكا فيضرب عصفوريَن بحجر، يسقط غولن من أعيُن المجتمع الدوليّ كقاتل ويحرِج إدارة أوباما التي تحتضنه، وهناك سيناريو آخر هو التجييش الكبير في وسائل الإعلام التركية ضدّ روسيا وخاصّة خلال الأشهر الأخيرة حول أنّ روسيا تقتل المدنيين السّوريين والمسلمين في حلب وتقصفهم بالطائرات…إلخ، وهذا أيضاً يسبّب عامل ضغط شعبي نفسي يجعل أي مواطن لديه حساسية لمِثلِ هذه الأخبار وتعاطف مدعوم بتوجّه ديني قد يكون قنبلة موقوتة تنفجر بأيّ لحظة ضدّ أي مواطن من هذا البلد المُعتدي افتراضاً، لكن أن يتم قتل الإرهابي من قِبَل قوّات الأمن التركية فهنا السؤال الأكبر، وهنا تتغيّر كل السيناريوهات التي قد تُدفَن مع القاتل الذي قد لا يكون وحيداً بهذا التوجّه في جهازه الأمني وغيره من الأجهزة الأمنية الأخرى، والأكثر أهمية من ذلك أنّ أردوغان بات محصّناً تماماً لكن لوقتٍ قصير، ليس بذكائه بل لسياسته المتهوّرة والتي يدفع ثمنها الآن وجعلته بالفعل ضرورة روسية أمريكية في وقت بات يخاف من خياله بسبب استعدائه لكل من حوله، واستعلائه حتى على مقدرة وإمكانيات بلاده وحلفائه وحتى أعدائه الذين صنعهم بيده وبات يحارب الوهم كَـ"الدون كيشوت" الذي حارب طواحين الهواء ولم ينتصر على شياطينها التي اختلقها بنفسه.

    في غمْرةِ هذه الأحداث والتطوّرات يظهر إسفين النّار الحقيقي من قلب الولايات المتحدة كاشفاً كل ظواهر وبواطن الحرب الإرهابية على سورية، متمثّلاُ بتوقيع الرئيس أوباما على قرار يقضي بتزويد ما سمّاها بالمعارضة المعتدلة بصواريخ مضادّة للطائرات، ردّاً على رسائل الرئيس بشار الأسد، الذي علّق على هذا الانتصار بقوّة المُنتصِر، وأكّد أنّ هذا  بداية الانتصار على المشروع التفكيكي الإرهابي للمنطقة وانتصار لسورية وروسيا وإيران وكل القِوى المقاومة، والرئيس بوتين الذي أكّد، في اتصاله مع الأسد، أن المهمّة الأساسية الآن هي التوصّل لتسوية سياسية، والسّيد حسن نصر الله، الذي عقّب مؤخّراً على انتصارات حلب وقال اللعبة السّياسية انتهت والفكر الوهّابي يريد فرض نفسه بالقوة.

    فجاء ردّ أوباما في أن أسقط آخر ورقة عن عورةِ مشروعه قبلَ رحيله بأيّام، ويبقى علينا بالفعل أن نفكّر إلى من ومتى ستوجّه هذه الصواريخ؟

     ومالذي سيترتّب عليها ضمن سيناريوهات أرادتها الولايات المتحدة أكثر وضوحاً وأكثر عدوانية على البشرية جمعاء؟

     وهل أراد أوباما قصف طاولة الحوار في أستانا قبل أن يجلس عليها المنتصرون ليمدّوا يدهم إلى من لم يعترف بالهزيمة بعد من أجل السلام؟

     وهل خرجت الأزمة المفتعلة في سورية من عنق الزجاجة؟

    لا ندري إن كانت الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذه التساؤلات، ولكن ما نعرفه هو أن بداية النّهاية لمشروع الشّرق الأوسط الكبير قد بدأت.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها).

    وجهات النظر والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي "سبوتنيك"

    انظر أيضا:

    الأناضول": التحقيقات في قضية اغتيال السفير الروسي تقود إلى أنصار غولن
    "الأمن الروسي" يوضح تأثير اغتيال السفير الروسي في أنقرة على الوضع في المنطقة
    صحيفة "تايمز": هناك علاقة بين قاتل السفير الروسي بأنقرة وحزب العدالة والتنمية الحاكم
    زاخاروفا تطالب صحيفة أمريكية بالاعتذار عن مقال يبرر قتل السفير الروسي
    لماذا قتلت الشرطة التركية قاتل السفير الروسي ولم تقبض عليه حيا
    الكلمات الدلالية:
    مقتل السفير الروسي, اغتيال, أندري كارلوف, تركيا, سوريا, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook