22:51 GMT03 يونيو/ حزيران 2020
مباشر
    العالم
    انسخ الرابط
    0 10
    تابعنا عبر

    منذ الثلاثاء قبل الماضي تغيّر نمط حياة الفرنسيين الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على البقاء في منازلهم هربا من فيروس كورونا الذي بات وباء أودى بحياة عشرات الآلاف من بين نحو 800 ألف شخص أصيبوا به في مختلف أنحاء العالم.

    باريس - سبوتنيك. ومع ازدياد أعداد المصابين بفيروس كورونا واستفحال الأزمة الصحية لدى الجارة إيطاليا، أيقنت الحكومة الفرنسية مدى خطورة الوضع واتخذت قرارا بفرض حجر صحي على كامل البلاد لمدة 15 يوما.

    إلا أن 15 يوما من الحجر ليست كافية للحد من انتشار الفيروس، بحسب رأي الأطباء وأخصائيي الفيروسات والأوبئة؛ ولهذا السبب قررت الحكومة الفرنسية ابتداء من اليوم، الثلاثاء، تمديد الحجر الصحي 15 يوماً إضافية على الأقل تنتهي في الخامس عشر من نيسان/أبريل المقبل.

    كثير من الفرنسيين وجدوا صعوبة في الالتزام بالبقاء في منازلهم؛ فحرمان المرء من حرية التنقل وزيارة الأقارب والأصدقاء والتنزّه والتسلية ليس بالأمر السّهل. وحرصا على احترام المواطنين لسياسة الحجر الصحي عمدت السلطات إلى نشر 100 ألف شرطي في كافة أنحاء البلاد لتغريم كل من يخرق قواعد الحجر المحددة من قبل وزارة الصحة.

    ومما لا شكّ فيه أن الأزمة الصحيّة الحاليّة - التي لم تشهد أوروبا مثيلا لها منذ قرن، أصبحت عبئاً وكابوساً بالنسبة للبعض الذين شهدوا تغيراً في حياتهم بين ليلة وضحاها. ولعلّ الطلّاب الأجانب الذين يعيشون في فرنسا هم أكثر من لامس هذا التغيير في نمط حياتهم نظراً لبعدهم عن أهلهم وبلدهم وشعورهم بالغربة بعد أن أقفلت المطارات وتوقفت الرحلات.

    ومع تمديد الحجر الصحي لمدة إضافية، يتجدّد الكابوس لدى الكثير من الطلّاب الأجانب في فرنسا الذين يعيشون في مساحات ضيّقة قد تصل أحيانا إلى 9 أمتار مربعة للفرد الواحد، بعيدين عن أهلهم وأصدقائهم وبلدهم في ظل نقص في التمويل اللازم لتأمين الاحتياجات الأساسية.

    وتقول جاينيفر، وهي طالبة دكتوراه لبنانية تعيش في مدينة مولوز شمال شرقي فرنسا، إن الوضع أصبح معقّداً جدّاً بالنسبة لها ولرضيعها البالغ سنة من العمر.

    وتعدّ منطقة "أو ران"، حيث تقع مدينة مولوز بؤرةً لتفشي فيروس كورونا، وهي من أكثر المناطق في فرنسا التي تم تسجيل حالات إصابة بالفيروس فيها مما أدى لكارثة صحية بسبب عدم قدرة المستشفيات في هذه المنطقة على استيعاب جميع المرضى.

    وحول الوضع في مدينة مولوز في ظل الحجر الصحي تقول جاينيفر، لوكالة سبوتنيك،: "الوضع في مولوز كارثي؛ الحكومة اتخذت إجراءات مشددة جداً في ظل الحجر الصحي نظراً لازدياد أعداد المصابين بفيروس كورونا".

    وتتحدث جاينيفر عن أن هذه الإجراءات، عقّدت الأمور كثيرا؛ فعملية الخروج من المنزل لشراء الطعام أصبحت مهمّةً صعبة جداً نظراً لوضعها الخاص كأم تعيش مع طفلها بعيدة عن عائلتها وبلدها وزوجها؛ فمن جهة ليس لدى جاينيفر أحد ليعتني بطفلها ومن جهة ثانية لا تريد أن تعرّضه للخطر عبر اصطحابه معها للمتجر.

    وتقول جاينيفر، التي تعمل على أطروحة الدكتوراه في العلوم والصحة، إنها حاولت الذهاب الى لبنان قبل فرض الحجر الصحي في فرنسا إلا أن العملية كانت مستحيلة.

    هذا وتجدر الإشارة إلى أن عدد كبير من الطلاب الأجانب سارعوا بالعودة الى بلادهم مستبقين بذلك الأمور بعد أن لمّحت الصحافة الفرنسية الى احتمال فرض السلطات لحجر صحي شامل. وبالنسبة الى هؤلاء الطلاب فإنه من الأفضل قضاء فترة الحجر الصحي مع العائلة على قضائها في عزلة تامة.

    وحول هذا الموضوع توضح قائلة: "لم أستطع الذهاب الى لبنان لسببين. الأول هو أن زوجي يعمل هناك كممرض، وكلنا يعلم أن الممرضين هم الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس بحكم عملهم؛ لهذا السبب نصحني زوجي بألّا أذهب الى لبنان لأني لن أستطيع وطفلي رؤيته على كل الأحوال. السبب الثاني يتعلّق بصعوبة  السفر أصلاً؛ سلطات مطار بيروت أمهلت اللبنانيين في الخارج أربعة أيام لكي يعودوا الى بلدهم وهذه فترة قصيرة".

    من جهتها، تتكلّم مريم، وهي لبنانية تعيش في باريس منذ ثلاث سنوات وحائزة على الماجستير في السياحة والثقافة، تتكلّم عن خصوصية وضع الطلاب اللبنانيين مقارنة مع غيرهم من الطلاب الأجانب.

    وتقول مريم، لوكالة سبوتنيك، :"الطالب اللبناني يعيش تحت ضغط أزمتين؛ أزمة فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية في لبنان. عدد من الطلاب اللبنانيين عاد الى لبنان قبل بدء الحجر والبعض الآخر اضطر إلى البقاء في فرنسا في ظل ظروف صعبة."

    ويعتمد معظم الطلاب اللبنانيين في الخارج على المساعدات المادية التي يرسلها أهلهم، لكنهم اليوم يجدون صعوبة في تلقّي المال بسبب القيود التي وضعتها المصارف اللبنانية على التحويلات المصرفية نتيجة الأزمة المالية التي تعيشها البلاد، أضف على ذلك انهيار الليرة.

    وفي هذا الصدد تقول مريم، لوكالة سبوتنيك، "العائلات في لبنان أصبحت عاجزة عن تحويل الأموال لأولادها في فرنسا. هذه العائلات تعاني أصلا من صعوبة في سحب أموالها من المصارف خاصة إن كانت بعملة الدولار".

    وتتابع: "كنت في لبنان الشهر الماضي وحاولت عندها مع أهلي سحب المال من المصرف لكن العملية كانت صعبة جدا. وعندما نجحت بسحب مبلغ بالليرة اللبنانية اكتشفت أن معظم الصرّافين يرفضون أصلاً تصريف الأموال من عملة الليرة إلى عملة اليورو."

    وتتحدث مريم، انطلاقا من تجربة شخصية، عن التضحيات التي يقوم بها العديد من الطلاب الأجانب الذين وبحكم الظروف يتشاركون مساحات سكنية ضيقة مع زميل أو صديق أو فرد من العائلة.

    وتشرح مريم وضعها قائلة إنها تعيش اليوم مع أختها - التي تساعدها في ظل هذه الظروف - في غرفة واحدة مساحتها 23 مترا مربعا وهو أمر يتطلب تضحيات من الطرفين.

    وتفصّل قائلة : "أختي تعمل من منزلها بسبب الحجر وهي تحتاج لدرجة عالية من التركيز على عملها؛ في المقابل أنا لا أعمل حاليا وهذا يزيد الأمور تعقيدا".

    وتجدر الإشارة الى أن مريم كانت تبحث عن عمل في القطاع السياحي قبل بدء أزمة كورونا لكن الحجر الصحي وتوقّف السياحة في فرنسا كما في كل العالم أجبراها على البقاء في المنزل.

    وأخيرا تقول مريم إنها تعدّ محظوظة كونها تعيش مع أختها في مناخ تضامني مقارنة مع غيرها من الطلاب اللبنانيين الذين يعيشون لوحدهم أو الذين يجدون صعوبات في إيجاد سكن لمدة طويلة.

    وتستقبل فرنسا سنوياً آلاف الطلاب من كافة أنحاء العالم، حيث تعدّ من أوائل الوجهات الدراسية في أوروبا. وبحسب مركز "كامبوس فرانس"، المعني بتلقي طلبات الانتساب الى الجامعات، وصل عدد الطلاب الأجانب في فرنسا عام 2017 إلى 343000 طالب.

    ويعيش عدد كبير من هؤلاء الطلاب في مساحات ضيّقة - خاصة في العاصمة باريس بسبب الاكتظاظ السكاني وكثرة الطلب على أماكن السكن - مما يصعّب عليهم أكثر الحجر الصحي.

    وحول صعوبة العيش في أماكن ضيقة في ظل الحجر الصحي، تقول سارة وهي طالبة مغربية وصلت سنة 2019 إلى باريس لدراسة المعلوماتية لسبوتنيك: "الحجر الصحي ليس عادلا؛ البعض يقضي وقته في منزل كبير محاط بعائلته والبعض الآخر مثلي يجد نفسه في مساحة لا تتعدى 12 مترا مربعا".

    وتشرح سارة كيف انقلبت حياتها رأسا على عقب في أقل من أسبوعين بسبب ما ترتّب وما سيترتّب عن أزمة فيروس كورونا قائلة: "اليوم أشعر باكتئاب شديد بسبب بعدي عن عائلتي وزملائي وضيق المساحة التي أعيش فيها. لم أر أحدا منذ أسبوعين لأن معظم زملائي في السكن الجامعي ذهبوا الى ديار أهلهم ولأنه أصبح ممنوعا علينا أن نتواجد في المطبخ المشترك في نفس الوقت بهدف تجنّب انتشار فيروس كورونا"

    وتتابع: "لا أعرف متى سوف تنتهي هذه الأزمة وهذا أمر يخيفني. لدي الكثير من الأسئلة؛ ماذا سيحدث لعامي الدراسي؟ كيف سأجدّد أوراقي كطالبة؟ الى أي متى سيكفيني المال الذي ادخرته؟"

    وبسبب قرار السلطات إقفال جميع المطاعم والمقاهي وجدت سارة نفسها من دون عمل هي التي كانت تعمل سابقا بشكل غير شرعي في مخبز مما كان يؤمن لها أجراً يوميا تستطيع من خلاله أن تدخر بعض المال.

    من جهتها، تتحدث عبير - وهي طالبة ماجستير تونسية تدرس إدارة المشاريع الرقمية في باريس - عن الظروف المالية الصعبة التي نتجت عن فقدانها لعملها الموازي لدراستها بسبب الحجر الصحي. وتقول: "فقدت عملي المؤقّت منذ بدء الحجر الصحي وأصبحت الظروف المادية صعبة. الجامعات أقفلت بدورها  وأنا الآن أتلقى الدروس من منزلي عبر الإنترنت لكن هذا أمر صعب ولا يعوّض شرح الأستاذ".

    وتضيف قائلة: "نحن لوحدنا في هذه الأزمة. السلطات التونسية لم تتواصل معنا ولم نتلق أي اتصال من طرف السفارة التونسية في فرنسا أو من طرف المجتمع المدني".

    وعلى الرغم  من إجراءات الحجر الصحي المشددة التي فرضتها السلطات الفرنسية ومن آثارها السلبية على الطلاب الأجانب يتفق معظم هؤلاء الطلاب على أن هذا الحجر هو لمصلحتهم ومصلحة الجميع.

    ويرى أسامة وهو طالب ماجستير لبناني في جامعة "إينسا رين" أن هذه الإجراءات ضرورية للحد من انتشار الوباء القاتل.

    ويقول: "صحيح أن الحجر الصحي  يسبب لنا ضغطاً نفسياً بسبب العزلة عن الناس وبسبب صعوبة تواصل الطلاب مع أساتذتهم لكن يجب أن نعترف أن هذا الحجر هو الخط الدفاعي الأوّل ضدّ فيروس كورونا وهو لمصلحتنا للحفاظ على سلامتنا".

    ويؤكد أسامة على ما قالته مريم حول الصعوبات المادية التي يعيشها الطالب اللبناني في فرنسا بسبب الحجر الصحي وبسبب الأزمة المالية في لبنان ويناشد الدولة اللبنانية بالعمل على تسهيل التحويلات المصرفية وفق سعر الصرف الرسمي بهدف تخفيف الأعباء المادية على الطلاب.

    وتعدّ قصص جاينيفر ومريم وسارة وعبير وأسامة جزءا من آلاف قصص المعاناة التي يعيشها الطلّاب أو العمّال الأجانب في فرنسا بعد أن فرضت السلطات حجراً صحياً شاملاً بهدف التصدي للانتشار السريع للفيروس الذي أودى بحياة أكثر من 3000 شخص في فرنسا حتى اليوم.

    ضحايا الجيش الأبيض في معركة كورونا
    © Sputnik /
    ضحايا الجيش الأبيض في معركة كورونا

     

    انظر أيضا:

    فرنسا تسجل زيادة كبيرة في وفيات كورونا والإجمالي يقترب من 2000
    فرنسا وحلفاؤها يشكلون قوة مهام جديدة في منطقة الساحل بغرب أفريقيا
    بعد تفشي فيروس كورونا شرقي فرنسا... طائرات الجيش تنقل المصابين إلى ألمانيا... فيديو
    فرنسا تطلب شراء مليار كمامة طبية أغلبها من الصين
    فرنسا تسجل 418 حالة وفاة جديدة بفيروس كورونا ليرتفع الإجمالي إلى 3024
    الكلمات الدلالية:
    طلاب, لبنان, الحكومة الفرنسية, فرنسا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook