كولومبيا على طريق السلم الأهلي

© AFP 2022 / YAMIL LAGE مباحثات السلام الكولومبية
مباحثات السلام الكولومبية - سبوتنيك عربي
تابعنا عبرTelegram
تأكيد الحكومة الكولومبية وأكبر جماعة في المعارضة المسلحة على التزام الطرفين بالبحث عن تسوية سياسية خطوة مهمة، ينتظرها الكولومبيون بفارغ الصبر، لتضع حداً للنزاع المتواصل منذ ستينيات القرن الماضي، بما يعزز فرص السلم الأهلي.

حملت الأخبار الواردة من العاصمة الكوبية (هافانا) أخباراً طيبة للكولومبيين، مع مطلع العام الجاري 2016، فالحلم الذي تمناه الكولومبيون على امتداد ثلاثة أجيال تكاد تتحقق اليوم واحدة من ركائزه المهمة، بنجاح جهود الوساطة التي بذلتها كوبا، وبمشاركة الرئيس الكوبي شخصياً، راؤول كاسترو، لجمع ممثلين عن الحكومة الكولومبية و"القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك) على طاولة المفاوضات، وإرساء أرضية للوصول إلى اتفاق على إنهاء المواجهات المسلحة، المستمرة بين الجيش النظامي والجماعات المتمردة، وأكبرها منظمة (فارك)، منذ أكثر من خمسة عقود، تصاعدت حدته في تسعينيات القرن الماضي.

وسقط خلال سنوات الحرب عشرات آلاف الضحايا، وتعرض مئات الآلاف من الفلاحين وصغار السن لعمليات تجنيد مخالفة للقانون، وسجلت آلاف عمليات إخفاء قسري وتعذيب واغتصاب، وتم تشريد الملايين من المدنيين. التقديرات الرسمية لعدد الضحايا، مقتل أكثر من نصف مليون إنسان، واختفاء 45 ألف شخص لا يعرف مصيرهم، وما يقارب 7 ملايين مهجر معظمهم من الفلاحين الفقراء.

ومما يعكس جدية الطرفين المتفاوضين في السعي لإنجاز اتفاق، في أسرع وقت ممكن، المستوى العالي في التمثيل، حيث ضم الوفد الحكومي وزيرة الخارجية، ماريا أنخيلا هولغوين، فيما ضم وفد منظمة (فارك) كبير مفاوضيها إيفان ماركيز، غير أن العديد من المصاعب مازالت تعترض طريق وضع نهاية سعيدة للمفاوضات، وتتطلب أن يقدم الطرفان تنازلات متبادلة للوصول إلى تذليل العقبتين الرئيسيتين اللتين تقفان حجر عثرة أمام التوقيع على اتفاق سلام، وتتمثلان في آلية التوقيع على الاتفاق وضمانات وآليات تنفيذه.

في النقطة الخلافية الأولى من المهم أن يشمل الاتفاق كل المنظمات والجماعات المتمردة، وفي النقطة الخلافية الثانية لابد أن تكون هناك خطوات بناء ثقة متبادلة، وتقديم ما يلزم من ضمانات بأن يلتزم كل طرف بتعهداته، وهنا يأتي دور كوبا والبلدان الأميركية اللاتينية، وإلى جانبهم المجتمع الدولي، لدعم التسوية وتقديم الدعم لتنفيذها، والمساعدة على حل المشكلات والعقد التي ستوجه كولومبيا لاحقاً، فالتسوية السياسية بين الحكومة والمنظمات والجماعات المسلحة لن تنهي كل المشاكل التي تعاني منها كولومبيا، فالتحديات التي تهدد الاستقرار والسلم الأهلي ستظل كبيرة.

يسجل في تاريخ الصراع في كولومبيا أن الأوضاع شهدت منذ عام 2002 انفراجاً نسبياً، وانخفاضاُ ملحوظاً في مستوى العنف، بعد تفكيك الميليشيات العسكرية اليمينية شبه الرسمية، إلا أن الكثير من أعضاء تلك الميليشيات انضموا لاحقاً إلى عصابات إجرامية منظمة، تمارس شتى أنواع القتل والابتزاز والاتجار بالمخدرات، لأنهم وجدوا أنفسهم، بعد أن استسلموا وألقوا أسلحتهم، دون عمل أو أي شكل من أشكال الرعاية من قبل الدولة، بل ويمارس تمييز بحقهم يعيق عودتهم للاندماج في المجتمع.

وإذا كان من مصلحة الحكومة الكولومبية أن تنهي صراعها مع منظمة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك)، ومع الجماعات المسلحة الثورية الأخرى المتمردة، لا تقل مصلحة (فارك) عن مصلحة الحكومة في طي صفحة الصراع، ففي عام 2008 دقت فئات واسعة من الشعب الكولومبي جرس الإنذار لـ(فارك)، بخروج مظاهرات شارك فيها الملايين ضد الأعمال القتالية التي تقوم بها تلك المنظمة، وتجلى تأثير هذا لاحقاً بقبول قيادة (فارك) الدخول في مفاوضات مع الحكومة عام 2012. وفي عام 2013، استضافت العاصمة الكوبية (هافانا) أولى جلسات المفاوضات بين الجانبين بوساطة كوبية، واستطاعت أن تحقق حتى الآن العديد من المكاسب على صورة تخفيف الاحتقان وحدة الصراع ومعاناة المواطنين في مناطق النزاع، الأمر الذي ينظر إليه كخطوات بناء ثقة.

وإذا كان يحلو للبعض تلخيص تاريخ الصراع في كولومبيا الحديثة بقصة تأسيس فلاح يدعى مانويل مارولاندا لمنظمة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (مارك)، وكاهن كاثوليكي يدعى كاميلو تورّيس منظمة "جيش التحرير الوطني"، وفشل المنظمتين في إشعال ثورة شعبية، واستعاضتهما عن الثورة بشن حرب عصابات. إلا أن عوامل وأسباب نشوب الصراع ما زالت كامنة، في الأوضاع الصعبة التي يعاني منها فقراء الفلاحين، وعمليات النهب للثروات من قبل الشركات المتعددة الجنسيات، وسطوة عصابات الجريمة المنظمة، وتأثيرها في الحياة السياسية والحزبية في البلاد، ومعالجة ذلك يتطلب دولة قادرة ومجتمعا موحدا، من خلال إنجاح عملية التسوية السياسية، مع ما يتطلبه هذا من تنازلات متبادلة من قبل الحكومة والمنظمات والجماعات الثورية المتمردة.

شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала