المياه الهادئة والبحّار الماهر وأمريكا الحنونة

© Sputnik . Natalia Seliverstov / الذهاب إلى بنك الصورتمثال الحرية في نيويورك
تمثال الحرية في نيويورك - سبوتنيك عربي
تابعنا عبرTelegram
قديما قالوا "المياه الهادئة لا تصنع بحّارا ماهرا"، تأملت هذه المقولة وأنا أتابع ما يحدث في مصر والعالم العربي والساحة الدولية في الآونة الأخيرة.

لست من أنصار العنف، أؤمن بفلسفة اللاعنف، وقد كانت المرة الأولى التي أشارك فيها في مظاهرة بدعوة من صديق لي، الذي كان يحدثني دوما عن الثورة وحقوق الفقراء والشيخ إمام ونجم، وهو أول من دعاني للمشاركة في مظاهرة طلابية أيام الجامعة. أذكر شعوري في تلك اللحظة التي وقفت فيها وسط جمع الطلاب ودخان القنابل المسيلة للدموع يكاد يفتك بجهازي التنفسي. وأذكر عبارة قالتها فتاة: "تعالي يا رانيا نبعد عن الهمج دول"(في إشارة لنا نحن المشاركون في المظاهرة).

صورة أرشيفية - سبوتنيك عربي
أفغنة سوريا وثقافة الكلاشنيكوف
كانت تجربة جديدة لها سحرها. وإحساس التطهر الناتج عن فعل التمرد الجماعي ضد غير الإنساني لا يمكن وصفه. أذكر شراسة عساكر وضباط الأمن المركزي ضدنا ونحن مجموعة من الطلبة العزل. تساءلت حينها لماذا كل هذا العنف من جانب السلطة رغم مشروعية التعبير عن الرفض من قبل الناس، والمفترض أن قوات الأمن ينحصر دورها في حماية الناس وليس قهرهم.

من هنا بدأ اهتمامي بالسياسة. والسياسة لا تقتصر فقط على النشاط الحزبي والانتخابات والحكومة. فعندما تقف في طابور طويل، رغبة في الحصول على رغيف عيش، فهذا سياسة. وعندما تعجز عن استكمال الشهر براتبك القليل، فتلك سياسة. وعندما يحرم شاب متفوق من الالتحاق بوظيفة يستحقها في صالح آخر بواسطة، فتلك سياسة. أدركت مبكرا زيف كثير من الأحزاب، لذلك لم أنضم يوما لأي حزب سياسي، كما أدركت أيضا كذب المدعوة "النخبة".

هذا بالإضافة إلى انتهازية جماعات المصالح والشرائح الممكنة في المجتمع التي تسعى بكل قوة للتحالف مع من يدعمها ويصعد بها على حساب القيم والأخلاق. ولا تسألني عن جماعات الإسلام السياسي فهم أبرع من يرتدي الأقنعة رغم حسن نية بعض تابعيهم. والقاعدة العريضة من الناس مشغولة بحياتها اليومية ولقمة العيش. أعلى طموحاتها "أن يمر اليوم". و المثقفون — ورغم صدق نسبة غير قليلة منهم وإخلاصهم — يقفون على مسافة بعيدة من الناس، يتحدثون بلغة عصية على الفهم. يجلسون في المقاهي، يدخنون ويكتبون المقالات والمجموعات القصصية والشعر والرواية، ويلعنون كل شيء.

جاءت الثورة لتضع الجميع أمام مواجهة تاريخية لم يتوقعها أغلبهم. حدث ما حدث حتى وصلنا للحال الذي نحن فيه. ورغم قناعتي بأن الإخوان والجماعات الدينية كان لها نصيب كبير، أرى المثقفين أيضا في قفص الاتهام لفشلهم في خلق لغة حوار تصل ما انقطع مع الناس وتبني جسور الثقة لتقودهم نحو مستقبل أفضل، الجميع يتحمل مسؤولية ما حدث، ولا أستطيع إلقاء كل اللوم على أعمدة النظام القديم ودعائمه على موقفهم فهو مبرر.

ورغم تشوش الصورة، وظهور مخالب المتآمرين، وبيان حال الحمل من الذئب، إلا أن هذا كله لا يعني زوال أسباب الثورة، أو عدم وجودها، خاصة بعد اكتمال صورة عمليات الانقضاض والتآمر التي مورست في مصر وعدد من الدول العربية برعاية دولة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، التي تستهدف تفريغ الدول العربية وتفكيكها إلى دويلات صغيرة متناحرة لا تقوى على شيء. لكن صور القتل الجماعي (الديموسيد)، التشريد، التعذيب، في كل دول الربيع العربي تقريبا، لا تزال عالقة بالأذهان. وهناك أجيال عديدة لم يتلوث وعيها، بعد، شاهدة على ذلك. والثورة نجحت في خلق شبكة من الناشطين فرضت نفسها على واقع الأحداث، كما قال سام سلوفيك، ونجحت أيضا في استهلال حوار مفتوح، حرر عقدة لسان الكثيرين.

أذكر قول تيموثي بالدوين في مقال كتبه، في أغسطس/آب من عام 2010: "الثورة هي نتيجة طبيعية لوجود حكومة تحكم بطريقة لا تتفق مع مباديء المجتمع الحر وتدفع الناس لاختيار أشكال مختلفة من الحكومة وفق دساتير مغايرة".

انصتوا… الحلم دوما يبدو مستحيلا حتى يتحقق…" نيلسون مانديلا".

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала