19:08 20 أغسطس/ أب 2017
مباشر
    واشنطن

    واشنطن واستراتيجية القيادة من الخلف

    © Sputnik. Yuryi Abramochkin
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 124740

    نهج واشنطن الجديد القائم على الامتناع قدر الإمكان عن التدخل المباشر عسكرياً في الأزمات، ورفض أي شكل من أشكال التورط بعمليات برية، تطبيق لأحد مبادئ الاستراتيجية العسكرية الجديدة للرئيس أوباما ونائبه بايدن، وهي لا تقل ضراوة عن الاستراتيجية السابقة.

    يأخذ كثير من المحللين على إدارة الرئيس باراك أوباما بأنها لا تمتلك سياسة واضحة، لذلك يغلب على مواقفها التقلب والتردد، والأمثلة على ذلك عديدة، منها المواقف حيال الأزمات في ليبيا وسورية والعراق واليمن وأوكرانيا، والحرب على تنظيم (داعش) وجماعة (بوكو حرام) في نيجيريا. ويضرب محللون الموقف الأميركي مؤخراً بخصوص التدخل العسكري الخليجي في اليمن، بمشاركة عدد من الدول العربية وباكستان، كدليل على تخبط تعاني منه السياسية الخارجية الأميركية.

    ظاهرياً قد يبدو المثال صحيحاً، ويكشف وفقاً لتحليلات من زاوية معينة عن ارتباك في مركز القرار الأميركي، وربما يرى فيه البعض دليلاً على الضعف والتردد، إلا أن نظرة أعمق تؤكد أن الموقف إدارة أوباما ينسجم جوهرياً مع التوجهات التي أقرت في الوثيقة التي وضعها الرئيس أوباما ونائبه جو بايدن، مطلع ولايته الأولى، تحت مسمى "الاستراتيجية العسكرية الأميركية في القرن 21".

    الخطة حملت توجهات تغير جذري من العقيدة العسكرية الأميركية، بتصفية الحروب المباشرة، التي ورثتها إدارة أوباما عن إدارة بوش الابن، وتقليص التواجد العسكري الأميركي التقليدي في الخارج، والامتناع عن خوض حروب مماثلة في المستقبل، وتركيز الجهود والامكانيات لتحقيق تفوق نوعي في التكنولوجيا العسكرية، وتحديث منظومة الأسلحة فائقة الدقة، وإعادة هيكلة القدرة العسكرية والجيوش الأميركية وفقاً لذلك، جنباً إلى جنب مع إعطاء مساحة أكبر لحلفائها بخوض مواجهات بدعم أميركي لوجستي، وغطاء سياسي.

    تم تطبيق هذا المبدأ في التدخل العسكري الفرنسي في مالي، وفي ليبيا ضد نظام الزعيم الراحل معمر القذافي، والمبدأ ذاته، مع اختلاف محدود فرضته طبيعة الصراع ومعطياته، طبق في الحرب على تنظيم (داعش) في العراق وسورية. إذ يقع العبء الرئيس، المتمثل بالعمليات البرية، على عاتق الجيش العراقي، والإسناد الجوي مرتبط بشروط صارمة، كما اتضح خلال الأيام القليلة الماضية في معركة تكريت، حيث بقيت واشنطن ترفض شن هجمات جوية على تنظيم (داعش)، ووافقت بعد أن تم استبعاد قوات ما يسمى بـ"الحشد الشعبي" من القتال إلى جانب الجيش العراقي في هذه الجبهة.

    وتتبع واشنطن تكتيكاً إزاء الحرب على تنظيم (داعش) في سورية، يختلف جزئياً عن التكتيك في العراق، برفضها القاطع للتعاون مع الجيش النظامي السوري، والسعي لتدريب وتجهيز مجموعات من المعارضة المسلحة يكون على على رأس مهامها محاربة (داعش)، لكن في كلتا الحالتين العراقية والسورية لا تريد الولايات المتحدة تحمل عبء عمليات برية، أو بتعبير آخر هي تعمل على تطبيق مبدأ "القيادة من الخلف"، بما يمكنها من الإمساك بخيوط اللعبة، من خلال التدريب والتسليح والدعم الجوي واللوجستي، وتوفير مظلة سياسية.

    وهذا ينطبق على ما سعت إليه واشنطن في ملف الأزمة الأوكرانية، دون أن تحقق نجاحاً على الأرض، بسبب موازين القوى ومحذور الانزلاق في مواجهة مع دولة كبرى مثل روسيا. لكن ذلك لا يمنع تطبيقه في مناطق أخرى، وهو ما وقع فعلاً في اليمن، بالتدخل العسكري الخليجي، مدعوماً من قبل دول عربية وباكستان، وبغطاء سياسي من الولايات المتحدة والغرب.

    فالدول الخليجية لم يكن بإمكانها اتخاذ قرار بالتدخل دون موافقة الولايات المتحدة، التي تطبق استراتيجيتها الجديدة في إعطاء غطاء سياسي وتقديم دعم استخباراتي ولوجستي، دون ان تتحمل أي أعباء عسكرية، بينما تستطيع أن تستغل الحرب في تحقيق أرباح كبيرة، وممارسة ضغط على إيران، في عملية احتواء غير مباشرة، للحد من نفوذها الإقليمي.

    ويمكن اعتبار التدخل العسكري في اليمن كاختبار لنقل التجربة إلى مناطق أخرى، مثل سورية وليبيا، من خلال قوى إقليمية متحالفة مع الولايات المتحدة والغرب، وتعميم التجربة سيؤدي إلى نتائج كارثية بإشعال حروب وصراعات، مما يؤكد أن استراتيجية أوباما- بايدن لا تقل ضراوة عن استراتيجية بوش الابن و"المحافظين الجدد".

    وللأسف تستغل الولايات المتحدة أخطاء الآخرين وتوظفها في صالحها، لإشعال حروب وصراعات تكسب فيها دون أن تخوضها مباشرة، وبقاء أطراف الأزمات والصراعات دون مستوى تحمل المسؤولية يمكن واشنطن من التمادي في لعبتها، ولا مخرج من الدوامة إلا بحلول وطنية، تضمن حقوق الشعوب وتطلعاتها المشروعة للحرية والديمقراطية والتعددية والمساواة بين الجميع، واحترام إرادتها  كموجه وناظم للحوار، السبيل الوحيد لحل الصراع بوسائل دبلوماسية، وإلا فإن الحروب الأميركية غير المباشرة ستحصد اضعاف ما حصدته الحروب المباشرة من خسائر بشرية ومادية. 

    انظر أيضا:

    ماذا بعد التدخل العسكري الخليجي في اليمن
    ثقافة الكراهية
    ماهر الطاهر عن تقديم الملفات الجنائية ووحدة القوى الديموقراطية الفلسطينية
    الكلمات الدلالية:
    الولايات المتحدة الأمريكية
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik