19:38 21 أغسطس/ أب 2017
مباشر
    حيدر العبادي

    أجراس التغيير قرعت في العراق

    © AP Photo/ Stefan Wermuth
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 122720

    الخطوات الإصلاحية التي اتخذها رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، كانت أعلى من سقف الشعارات التي طرحها المتظاهرون، لكن تطويرها إلى برنامج متكامل، لمكافحة الفساد وإصلاح النظام السياسي القائم وتصويب مسار العملية السياسية، يحتاج إلى المزيد من الخطوات المبدئية والجريئة، وإرادة صلبة ونفس طويل.

    الحصاد الأولي للحراك الشعبي العراقي المعارض للفساد فاق كل التوقعات، باستقطابه لتأييد المرجع الشيعي، علي السيستاني، في خطوة اعتبرت حاسمة في اتخاذ حزمة قرارات متقدمة من قبل رئيس الوزراء العراقي، وبتأييد كل القوى المجتمعية والسياسية العراقية لتلك القرارات، في وقت بدا فيه أن من سيعارضها، لاسيما من القوى السياسية والحزبية، سيضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الشارع الغاضب.

    المفاجئ في القرارات أنها لم تقتصر على مجموعة من الإجراءات لتحسين الخدمات، أو فتح ملفات فساد على نطاق ضيق وبحذر شديد، وتقديم المسؤولين عنها للقضاء، بل امتدت القرارات لتشمل العديد من الجوانب السياسية والإدارية والمالية والاقتصادية، وفيما يخص ملفات الفساد لم يتردد العبادي في استهداف "رؤوس كبيرة"، على حد وصف مرجع سياسي عراقي، كان المساس بها في السابق محفوفاً بمخاطر كبيرة، لجهة استقرار النظام السياسي بصيغته القائمة.

    لكن من الواضح أن الخطوة التي قام بها العبادي كانت محسوبة بدقة، ولا غنى عنها، وتسجل له إيجاباً في كل الأحوال، ففتح ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين عنها يستلزم تغييرات كبيرة في بنية النظام السياسي، وهي رسالة التقطها رئيس الوزراء العراقي، رغم أن المتظاهرين اكتفوا برفع شعارات مطلبية وخدمية والدعوة إلى تقديم الفاسدين إلى القضاء، إذ يدرك العبادي أن الفساد يمارس من قبل منظومة متشعبة ونافذة، لابدَّ من تفكيكها، في عملية لا مناص من أن تصطدم بنظام المحاصصة الطائفية، الذي فرض في ظل الاحتلال الأميركي للعراق، وهو معركة اختار رئيس الوزراء العراقي أن يخوض غمارها بضربة خاطفة وقوية.

    الضربة اشتملت على إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، فضلاً عن إلغاء المحاصصة الطائفية في المناصب العليا للدولة، واعتماد مبدأ اختيار من يشغلونها على أساس الكفاءة، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى وصف ما قام به العبادي بإدارة الظهر لنظام المحاصصة الطائفية، وضرب مراكز القوى في هذا النظام، غير أنه لا يمكن تخمين الحد الذي سيذهب إليه في عملية التغيير، لأن الخطوة مازالت في بدايتها، ناهيك عن الصعوبات التي ستعترضها، فليس ثمة من يتوقع بأن لا تقاومها القوى المستفيدة من نظام المحاصصة، بشراسة واستماتة قدر ما تستطيع.

    في المقابل، يستطيع العبادي أن يطمئن إلى قدرة حراك الشارع على تقديم الدعم اللازم له، وأن يشكل عاملاً ضاغطاً على بعض القوى السياسية والحزبية التي قد تدخل في مواجهة معه، وليس بالضرورة على نحو علني. كما أن الدعم الذي حاز عليه العبادي من المرجع علي السيستاني يعطيه قوة كافية لتذليل أي اعتراضات من داخل حزبه، حزب "الدعوة"، أو أنصار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

    وجدير بالذكر أن المرجع السيستاني طالب، في شكل مباشر، بتأسيس دولة مدنية، ما يعني أنه وضع الخطوات المطلوبة من رئيس الوزراء العراقي في هذا السياق. ومن شأن الخطوات الإصلاحية الأخرى أن تعطي للعبادي مصداقية كبيرة، مثل مكافحة الفساد، وإصلاح القضاء والنظام الضريبي، وتحسين القطاعات الخدمية، من توفير الكهرباء ومياه للشرب، وتحسين مستوى خدمات المؤسسات التعليمية والصحية، بالإضافة إلى وقف الهدر، والحد من الانفلات الأمني.

    حتى اللحظة الأمور كلها تسير في صالح الخطوة التي أقدم عليها العبادي، ومن شبه المؤكد أن البرلمان العراقي سيصادق على قرار إلغاء مناصب نواب رئيسي الجمهورية والحكومة، وباقي النقاط التي اشتملت عليها خطة العبادي استجابة للحراك الشعبي، إلا أن الكرة ستبقى في ملعب رئيس الوزراء وأعضاء حكومته حتى تصبح الخطوة، بكل تفاصيلها، واقعاً يدب على الأرض، مع التنبيه إلى أن أي تراجع عن الخطة المعلنة سيقود إلى نتائج سلبية ستدخل العبادي وحكومته في صراع مع الشارع الغاضب، والذي من الجلي، على ضوء تصاعد حراكه واتساعه، أنه لن يتراجع إلا بحصوله على سلة مطالبه، التي تعدَّت المطالبة بمكافحة الفساد وتوفير الخدمات العامة.

     فأجراس التغير قد قرعت، ضد نظام المحاصصة الطائفية، والعبادي نفسه هو من قرع الجرس على المستوى الرسمي، فهل سيكتب له التاريخ بأنه من سيحقق مطلب العراقيين ببناء دولة مدنية؟ من باب التفاؤل، وحسن الظن بشخص حيدر العبادي، نأمل بأن يشق هذا المطلب طريقه نحو النور.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    انظر أيضا:

    العراق ينتفض بوجه الفساد
    تقرير يكشف تورط الجيش البريطاني في مقتل مدنيين في العراق وسوريا
    مقتل العشرات من "داعش" في غرب العراق
    العبادي يتخذ أولى الخطوات لمحاربة الفساد في العراق
    في أجواء ساخنة.. "غليان شعبي" في العراق ضد الفساد والإسلاميين
    الكلمات الدلالية:
    المحاصصة, حيدر العبادي, العراق
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik