05:57 26 سبتمبر/ أيلول 2018
مباشر
    الجيش المصري يرفع راية النصر

    نصر أكتوبر 1973... أبناء النسيان وموت جرانت

    © AP Photo / Ahmed Tayeb
    تعليقات
    انسخ الرابط
    180

    في هذا المقهى الهاديء في منطقة دير الملاك، جلس الأستاذ جرانت بالقرب من المذياع لمتابعة ما يجري على الجبهة. ورغم أن البيانات العسكرية تتحدث عن نجاح الجيش المصري في التصدي للعدوان الإسرائيلي على الأراضي المصرية، وعن أعداد الطائرات الإسرائيلية التي تتساقط بفعل مهارة وقدرات الجنود المصريين، ثمة غيمة كئيبة جثمت على صدر الأستاذ جرانت.

    اتصلت زوجته أنجيل للاطمئنان عليه وعلى ابنتها أمل، ولمعرفة آخر تطورات الموقف في سيناء، فمذياع البيت كان معطلا. جرانت يذهب حيث الهاتف، يرفع السماعة التي أعطاها له المعلم محمد، صاحب القهوة وصديق الجميع، تأتي كلمات أنجيل عليه ثقيلة، تكرر عليه ما يسمع في الراديو من مبالغات سمعتها من الجيران، لا يهتم، يختم الحوار سريعا ليذهب إلى المنزل.

    وصل إلى المنزل وقد تملكه الشك أن الأمور ليست على ما يرام، وأن هناك سر كبير ستكشف عنه الأيام لا محالة.  بمجرد أن أغلق الباب خلفه وهمّ بالجلوس، إذا بطرق عنيف على باب شقته يتبعه. هرع نحو الباب وقد انخلع قلبه ليرى من هناك. فتح جرانت الباب فوجد سليم ابن جاره وصديق عمره حسن يأخذه من يده في اتجاه شقتهم ليتابع خطاب الرئيس جمال عبد الناصر، بصحبة جمع كبير من الناس تجمعوا في شقة الحاج حسن لنفس الغرض. وما إن دخل جرانت حتى سمع جمال عبد الناصر يقول: قد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدونى عليه: لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر. إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحاً أمامهم أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبدالناصر.

    هرع جرانت نحو الباب وهو يصرخ: "لأ… لأ… لأ يا ريس، يا جمال إحنا وراك، خليك صامد واحنا معاك"، ولم تمر دقائق حتى امتلأت الشوارع بالآلاف يرفضون تنحي عبد الناصر، ويريدون تكملة المشوار حتى النصر. ورغم أن جورج ابن جرانت هو ابنه الوحيد، إلا أنه اصطحبه في اليوم التالي لتسليمه للجيش حتى يخوض معركة الكرامة. مات عبد الناصر يوم 28 أيلول/سبتمبر عام 1970، ليتولى بعده أنور السادات حكم مصر، ويقودها في معركة الكرامة وينتصر في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973.

    لقد تسببت الهزيمة في جرح قطعي في قلوب المصريين، خاصة أبناء سيناء ومدن القناة، ومنهم أبطال وجنود مجهول أغلبهم، نسيتهم الذاكرة الرسمية، ولا يعرف الشعب الكثير عنهم، رغم أن لأبناء سيناء دور كبير في تحقيق نصر أكتوبر من خلال تعاونهم مع المخابرات الحربية، وفق ما قاله اللواء فؤاد نصار، مدير المخابرات الحربية في ذلك الوقت للرئيس السادات. وقد شكل المتطوعون من أبناء سيناء لخدمة الجيش المصري ومخابراته الحربية عدة تشكيلات لها مهام محددة، منها تنفيذ هجمات منظمة على مواقع العدو؛ استخدام وسائل تمويه بسيطة نجحت في خداع العدو وتحقيق نتائج مبهرة، وفّرت للجيش معلومات ساهمت في تحقيق النصر، حيث كان أفراد مجموعات التخابر من البدو يرتدون القاعد المصنوع من صوف الخراف لتضليل أنظار العدو.

    ولا ينسى التاريخ موقف القبائل في سيناء من محاولة إسرائيل إعلان استقلال سيناء  وانفصالها عن مصر، حيث أعلن سالم الهرش أن سيناء أرض مصرية ولا يمكن أن تنفصل مهما حدث. لا يعرف أغلب الناس أسماء موشي الرويشد الذي فقد إحدى عينيه وتعرض لأشد أنواع التعذيب، بعد نجاحه في تدمير العديد من المواقع الإسرائيلية، ليتكبد العدو خسائر فادحة. هناك أسماء أخرى كان لها دور بطولي مثل السيدة فهيمة، وهي أول سيدة تعمل في العمل المخابراتي الميداني، إضافة إلى أحمد سالم، حسن خلف. ولم يكن اتهام أهل سيناء بالخيانة والعمالة في أثناء العمليات العسكرية في سيناء سوى محاولة من إسرائيل لضرب الصف والتأثير على معنويات الجيش المصري. وقد أشاد موشي ديان بقدرات المصريين من أبناء سيناء الذي قاموا بأعمال مخابراتية على أعلى مستوى، تفوقوا بها على إسرائيل التي تملك أحدث المعدات.

    ومن حكايات البطولة، هناك محمد المصري وعبد العاطي، اللذان حملا لقب "صائد الدبابات"، حيث قام الأول بتدمير 27 دبابة إسرائيلية، والثاني حوالي 23 دبابة. وحكاية الضابط الذي كان له الفضل في أسر أول ضابط إسرائيلي أثناء حرب الاستنزاف، ونجح كذلك في إسقاط عساف ياجوري الضابط الإسرائيلي في الأسر. وهناك قصة الشهيد المصري العظيم سيد زكريا خليل، التي انكشفت بعد مرور ما يزيد على 20 عاما على لسان أحد الجنود الإسرائيليين الذي اعترف في التسعينيات أن سيد زكريا قد قتل على يده، وذكر أن سيد قتل 22 إسرائيليا، وأنه كان مقاتلا عبقريا شجاعا ضرب المثل في حب وطنه.

    على أرض المعركة، مات جورج، إبن جرانت الوحيد، ومات غيره من أهل سيناء ومدن القناة، في سبيل هذا الوطن.  ساهم هؤلاء الأبطال في رفع رأس مصر عاليا، بنصر ملحمي سيظل محفورا في ذاكرة التاريخ.  وبعد أن شهد النصر،  عاش جرانت الأب بعد موت ولده الوحيد جورج حتى بلغ 83 عاما، وافته المنية يوم 2 فبراير/شباط عام 2006، في نفس اليوم الذي غرقت فيه سفينة السلام 98 وراح ضحيتها 1033 وأصيب 387 آخرون.

    الكلمات الدلالية:
    حرب تشرين, إسرائيل, سوريا, مصر
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik