20:23 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2017
مباشر
    رجب طيب اردوغان

    حادث الطائرة الروسية فوق سيناء... أزمة واحدة ومنجم فرص

    © REUTERS/ Umit Bektas
    تعليقات
    انسخ الرابط
    كارثة A321 (29)
    0 422030

    أستطيع أن ألمس نبرة يأس أصابت الكثيرين جراء حادث سقوط الطائرة الروسية وما تلاها من أحداث، سواء على الجانب الروسي، الذي قرر وقف كافة الرحلات إلى سيناء والغردقة، إلى جانب إجلاء الرعايا الروس من مصر، حتى تتبين أسباب وملابسات الحادث الأليم الذي راح ضحيته 224 شخصا، أو على الجانب الغربي، خاصة بريطانيا التي أصدرت قرارا بإجلاء رعاياها فورا من مصر.

    لكن إذا تأملنا الأمر من زوايا مختلفة، لتبين لنا أن حادث الطائرة يعد بمثابة منجم لفرص هائلة، سواء بالنسبة لمصر أو لروسيا الاتحادية.

    لا شك أن ما حدث ويحدث في عدد من الدول العربية أمر يدعو للقلق، فمنذ احتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين، توالت الأحداث في المنطقة العربية على نحو متسارع، حتى وصلنا لسقوط نظام القذافي في ليبيا، والحرب في سوريا. حقيقة كان لوصول اليمين المحافظ إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وتولي جورج بوش الإبن المسئولية، أثر كبير في التحول نحو الضغط على زر الخراب.  وبسقوط برجي التجارة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، تعالت أصوات صقور اليمين المطالبة بالقضاء على دابر الإرهاب الإسلامي، ومحاولة التخلص من النظم غير الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، عدا إسرائيل بالطبع — واحة الديمقراطية وسط صحراء الاستبداد العربي! — ودعم نظم أكثر ديمقراطية وعدلا.  لكن هل كانت هذه هي النية الحقيقية؟ لا أعتقد، لأن نزاهة الأهداف تقاس بالمردود. وليس من المعقول أن تدعي أنك تحارب الإرهاب وتبغي تمكين الديمقراطية، في حين أنك تصنع الإرهاب وتدعمه دعما كاملا. وقد أماط التدخل الروسي في سوريا اللثام عن الكثير من الأسرار التي أخفاها الغرب وراء ثوب الحمل الوديع الساعي لإقرار السلام في العالم، وتبين نهاية أنه سلام الذئاب ووكلاء العولمة القبيحة التي تدين بدين الربح ولا غيره.

    أرى ما حدث فرصة ذهبية سواء بالنسبة لمصر أو بالنسبة للاتحاد الروسي. روسيا ترى مصر كحليف استراتيجي تاريخي لا يمكن التخلي عنه خاصة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المنطقة بل والعالم أجمع. فبينما تدعم روسيا النظام الشرعي لسوريا في مواجهة قوى الإرهاب المدعومة من الغرب، تضع روسيا في حسبانها دعم علاقتها الدبلوماسية والاقتصادية مع مصر رغم أي معوقات، للعودة إلى وضع أفضل مما كانت عليه إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر، قبل فترة رئاسة أنور السادات، الذي أجهز على العلاقة التاريخية بين الجانبين بطرده 15 ألف من الخبراء الروس، إثر خلاف شب حول قطع غيار عسكرية.

    يحاول الجانب المصري من خلال علاقته بروسيا تحقيق التنوع الاقتصادي المطلوب، الحصول على دعم غير غربي، وتحقيق توازن استراتيجي. أما بالنسبة للجانب الروسي، فهو يسعى إلى تمكين وجوده في المنطقة العربية عبر أكبر دولة عربية، وأكبر قوة عسكرية تملك تأثيرا سياسيا وثقافيا كبيرا. وهذا يجعل التحالف المصري الروسي مثاليا. ومن ناحية ثانية، يحقق التحالف المصري الروسي توازنا استراتيجيا في المنطقة العربية، إذ يحول دون إطلاق يد الغرب الأنجلو أميريكي وحليفته إسرائيل في المنطقة يعيثون فيها كيف يشاؤون. ولا شك أن هذه الأزمة فرصة لإثبات قوة هذا التحالف، ولن يسمح أي من الجانبين الروسي أو المصري بتدهور العلاقة التي ما زالت في طور النمو، ولن يمنح الغرب فرصة للشماتة أو انتهاز الفرصة لإحداث الوقيعة بين الحليفين، أو استغلال الفرصة للضغط على مصر من بوابة هذا الحادث. ويعتبر وعي الجانبين بتفاصيل المؤامرة الغربية حائطا خرسانيا ضد أي محاولة خبيثة من الغرب.

    وتشير الأرقام إلى صعود التعاون التجاري بين مصر وروسيا بنسبة 80 %  في عام 2013، لتصل إلى أربعة ونصف مليار دولار، وفق تصريح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق. وترتكز موسكو في تعاونها مع مصر على أربعة محاور اقتصادية هي التكنولوجيا، الزراعة، الطاقة النووية، العتاد العسكري. هذا وينظر الرئيس المصري للتعاون مع روسيا على أنه عامل أساسي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي بعيدا عن الغرب. وهنا يتردد صدى التعاون المصري الروسي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين ساعدت روسيا مصر في بناء السد العالي، موانيء الإسكندرية، مجمع الألومنيوم بنجع حمادي، مصنع الحديد والصلب بحلوان. وحاليا يمثل المفاعل النووي لتوليد الطاقة درة تاج التعاون المصري الروسي، والذي سيحدث نقلة نوعية كبيرة في مصر تساهم في دعم الاقتصاد المصري، كما فعل السد العالي تماما عند إنشائه بمساعدة الجانب السوفيتي.

    ستمر الأزمة التي سيساهم انتهاؤها على نحو كبير في دعم العلاقة المصرية الروسية، وستعود السياحة الروسية على نحو أكبر مما كانت عليه قبل الحادث، ذلك لأن الجانبين على وعي كبير بأهمية التحالف الاقتصادي والعسكري والسياسي بينهما. لن يتخلى أي من الطرفين عن السير نحو منجم الماس، متجاوزين تعقيدات الأوضاع في العالم، وتداخل المصالح والتحالفات. على الجانب الآخر، لا يبدو أن ألاعيب الغرب ستنجح، ذلك لأن الولايات المتحدة وفريق الحلفاء التابع لها لم يدرك بعد أن العالم يتغير، وأن فريق الصين وروسيا إضافة إلى إيران ومصر منافس قوي لا يستطيع أن يكون ندا عنيدا فحسب، وإنما يمكنه إسقاطه.

    (المقالة تعبر عن رأي صاحبها)

    الموضوع:
    كارثة A321 (29)
    الكلمات الدلالية:
    تركيا, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik