21:26 22 مارس/ آذار 2019
مباشر
    قلعة حلب

    الكشف عن كنز تراثي شهير في حلب السورية (صور)

    © صور من المدونين tarek basmaje
    انسخ الرابط
    طارق بصمه جي
    طارق بصمه جي
    0 30

    تبدأ القصة قبل حوالي مائة عام، عندما حمل الشاب الأرمني "أبكر كناجيان" مواليد 1895م صندوقه الخشبي هاربا من المذابح التي كادت تصل إلى مدينته "أورفه" في عام 1915م.

    "أبكر" هذا الشاب الهارب كان همه الوحيد أن ينقذ زوجته وأطفاله إضافة إلى صندوقه الخشبي وما يحوي بداخله!! من بطش القوات العثمانية آنذاك مع أن قسما كبيرا من الأرمن الهاربين من مدينة " أورفه" كانوا يحملون مصاغهم الذهبي فقط كي يستعينون بثمنه على تكاليف المعيشة لاحقاً بعد أن فقدوا كل ما يملكون!!

    حمل "أبكر" صندوقه الخشبي (كنزه الأثمن) وقصد مدينة حلب السورية التي كانت الملجأ الوحيد لسكان "أورفه"، فحلب تلك المدينة الأقدم عبر التاريخ احتضنت معظم الهاربين من تلك المذبحة الموثقة تاريخيا بين العامين 1914 و1923.

     جانب من دمى ( كاراكوز وعيواظ ) المكتشفة في حلب
    © صور من المدونين Tarek Basmaje
    جانب من دمى ( كاراكوز وعيواظ ) المكتشفة في حلب

    حفظت أسرة "أبكر" على الصندوق مغلقا في مكان أمين وتوارثته أبا عن جد. وعندما توفي أبكر حوالي العام 1940 كان الصندوق أمانة في عنق إبنه "أرتين"، فأنجب أرتين أكبر أبنائه المسمى "بيدروس" حيث انتقلت لاحقا تلك الأمانة له، فـ"بيدروس" هو بكل بساطة أبو أرتين صاحب مطعم وفندق "أبو أرتين" في جبل أريحا في ريف إدلب، هذا المطعم الذي اشتهر عالميا بتقديمه وجبه "اللحمة بكرز" الفريدة من نوعها.

    وبعد وفاة "بيدروس أبو أرتين" حمل إبنه الأكبر أرتين أمانة الحفاظ على صندوق جده الأقدم "أبكر".

    مع بدايات الحرب على سورية عام 2011 طال الدمار هذا المطعم والفندق الشهير، مما أضطر معظم أفراد العائلة إلى السفر خارج البلاد ليبقى مصير الصندوق الخشبي التراثي مجهول المكان بين مدينتي إدلب وحلب.

    أما اليوم وبعد أن طرحت "الأمانة السورية للتنمية" مشروع اعتبر فيه (كراكوز و عيواظ) جزء من التراث السوري الإنساني تم إدراجه على لائحة اليونسكو للتراث العالمي.

    و بعد هذا الإدراج عادت "سونا تاتويان" الحفيدة الصغرى لتلك العائلة بعد اغتراب طويل لتبحث عن صندوق جدها المفقود مع "الأمانة السورية للتنمية" التي قدمت لها كل التسهيلات إيمانا منها أن الوقت قد حان فعلا للبحث والتحري عن موجودات هذا الصندوق الخشبي وإظهار ما تبقى منه للعالم خصوصا بعد أن حرر الجيش العربي السوري وحلفائه معظم أرجاء مدينة حلب من رجس الإرهاب ودنسه.

    جد "سونا" الأكبر، "أبكر كناجيان" كان من أهم صانعي دمى مسرح (كراكوز وعيواظ) في المنطقة، هذه الدمى التي كانت (تصنع من جلد الجمل الذي يعالج حتى يصل لمرحلة شفافية الضوء ثم يقص على شكل نساء ورجال وحيوانات مختلفة و يلون بعدها بألوان طبيعية يدويا).

    كما أن تلك الدمى تتميز بوجود مفاصل لها، تجعلها تتحرك بسهولة بعد تعليقها بعصي خشبية لتقدم عروضا مسرحية شعبية، كانت في حينها البديل الوحيد عن التلفزيون والسينما اللذان لم يكونا قد اخترعا بعد!

    ولعل أكثر ما يضفي على الموضوع تميزا أن تلك الدمى لا يوجد في العالم مماثل لها إلا مجموعات ضئيلة وقليلة جدا.

    وعن زيارة سونا إلى حلب تحدث لنا الباحث التاريخي المحامي علاء السيد عن تلك الزيارة قائلا " زارت سونا أزقة مدينتها القديمة، وأشعلت شمعة في مقام "مارجرجس الخضر" قرب منطقة باب النصر الأثرية  داعية الله مساعدتها للعثور على صندوق جدها الخشبي.

    وأخيرا تكللت عملية بحثها بالنجاح عندما تم العثور على هذا الصندوق الخشبي الفريد داخل منزلهم المهجور بحلب حيث كان يحوي ما يزيد على مئة وخمسين دمية سليمة تماما لا تقدر قيمتها بثمن.

    كانت الدموع تسيل من مقلتيها وهي تخرج دمى جدها من الصندوق لترى الضوء مجددا حيث شعرت أن جدها الأكبر قد عاد للحياة مجددا".

     جانب من دمى ( كاراكوز وعيواظ ) المكتشفة في حلب
    © صور من المدونين Tarek Basmaje
    جانب من دمى ( كاراكوز وعيواظ ) المكتشفة في حلب

    وأضاف الباحث "السيد" مستطردا" سألت سونا التي تحمل عدة جنسيات عالمية (الأرمنية والأمريكية) وتقيم في الولايات المتحدة مؤخرا هل تعتبرين أن تراث "كراكوز وعيواظ" الذي حفظه جدك "أبكر" أرمنيا؟

    فأجابت بكل بساطة سأختصر الإجابة على سؤالك بتلك العبارة فقط "نحن سوريون ، لذا إن أول ما سأفعله الآن هو تقديم طلب رسمي لاستلام هويتي الشخصية السورية".

    الحفيدة سونا تاتويان و الباحث علاء السيد
    © صور من المدونين Tarek Bamaje
    الحفيدة سونا تاتويان و الباحث علاء السيد

    الجدير بالذكر أن الباحث "السيد" يمتلك أرشيفا وطنيا مميزا يحوي العديد من التفاصيل التاريخية والتراثية منها  إنثا عشر تسجيلا "لكراكوز وعيواظ" باللهجة السورية الحلبية  نشر منها مقطعان فقط وهو حاليا بصدد نشر المزيد منها إضافة إلى مواضيع أخرى توكد عظمة الحضارة السورية الموغلة في جذور التاريخ والمتأصلة في رزنامة التمدن.

     

    انظر أيضا:

    سلاطين الطرب في حلب... يطربون الآذان والأرواح على مسرح نقابة الفنانين
    في حلب... صبايا ينشئن مقهى "الحرملك" ويحظرن على الشباب دخوله (صور وفيديو)
    احتفالات حلب تعيد إلى الذاكرة مشاعر لا تنسى في عيد الميلاد
    حلب... عندما تحول الزمن إلى تاريخ... عامان على الانتصار
    الكلمات الدلالية:
    حلب, سوريا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik