21:57 GMT20 فبراير/ شباط 2020
مباشر
    انسخ الرابط
    0 100
    تابعنا عبر

    تُرجع فكرة التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى للأذهان مأساة ما حدث منذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل قبل 23 عاما مضت، عندما قررت إسرائيل اقتطاع أكثر من نصف المسجد وتخصيصه للمستوطنين مع إغلاقه تماما أمام المسلمين أثناء الأعياد اليهودية.

    وقد عملت جاهداً في ورقتي هذه على شرح التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى للقارئ العربي، متطرقاً لأدق التفاصيل في هذا الشأن الجلل، وأيضاً إلى مشاركة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تحقيق

    هذا الأمر الذي إن وقع سيكون استنساخاً لما جرى في الحرم الإبراهيمي، وبالتالي سيفتح باباً لحربٍ دينية تعمل الحكومات الإسرائيلية على إشعالها منذ حريق الأقصى إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي والتقسيم الزماني والمكاني الذي أُحدِث فيه عقب المجزرة ومحاولتها الفاشلة بتركيب البوابات الالكترونية والكاميرات في مداخل المسجد الأقصى وصولاً لعملها الدؤوب المسموم لتطبيق التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى الشّريف.

    أولاً: ماذا يعني التقسيم الزّماني والمكاني للأقصى؟

    المشروع الذي يهدف لتقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين وإسرائيل يحمل شقين وهما، التقسيم الزّماني والتقسيم المكاني، وكانت إسرائيل قد بدأتهما بشكل عملي بالفعل، أما الأول فيعني تخصيص أوقات معينة لدخول المسلمين المسجد الأقصى وأخرى لدخول اليهود، ويقتضي منه اقتسام ساعات اليوم وأيام الأسبوع والسنة بين اليهود والمسلمين، ومن خلاله يرى الجانب الإسرائيلي أنه يستوجب على المسلمين مغادرة الأقصى من الساعة 07:30 حتى 11:00صباحًا، وفي فترة الظهيرة من الساعة 1:30 حتى 2:30،  وفترة ثالثة بعد العصر، لتخصيص هذا الوقت لليهود بحجة أنه لا صلاة للمسلمين في هذا الوقت ليتم السماح لليهود بأداء ثلاث صلوات في اليوم داخله، كما يتم تخصيص المسجد الأقصى لليهود خلال أعيادهم، والتي يقارب مجموع أعدادها نحو 100 يوم في السنة، إضافة إلى أيام السبت التي تخصص لليهود أي نحو خمسين يوماً بمجموع نحو 150 يوماً في السنة، كما يحظر رفع الأذان خلال الأعياد اليهودية.

     أما التقسيم المكاني فيعني تخصيص أماكن بعينها في المسجد الأقصى لكلًا من الطرفين، إذ يهدف إلى تخصيص أجزاء ومساحات من المسجد الأقصى يقتطعها الكيان الإسرائيلي ليحولوها لكنائس يهودية لأداء صلواتهم فيها، وقام الاحتلال خلال الفترات السابقة بتسويغ طرق ومسارات خاصة لهم للتمهيد للتقسيم المكاني، ويشمل التقسيم المكاني كذلك بسط السيطرة بالقوة على جميع الساحات الخارجية للمسجد الأقصى أما الأماكن المسقوفة مثل مصلى قبة الصخرة والمصلى المرواني فتكون للمسلمين، ويشمل هذا التقسيم مخططات لبناء الكنيس اليهودي والهيكل، فلم تعد تخفى تلك المطامع، بل بات التصريح بها أمرًا عاديًا وحقًا مشروعًا كما يرى الجانب الإسرائيلي.

    زادت وتيرة المطالبات بالتقسيم الزّماني والمكاني، وزادت معها وتيرة الإجراءات التعسفية، فمنذ احتلال شرقي القدس في حرب الخامس من يونيو/ حزيران 1967،  سعت إسرائيل لتقسيم المسجد الأقصى في البداية لينتهي الأمر بهدمه وإقامة الهيكل، إلا أن خططها في هذه القضية التي هي بمثابة إعلان حرب دينية باتت واضحة ومفضوحة.

    فمن الواضح أنه بات أمر التقسيم الزّماني والمكاني للمسجد الأقصى بالقدس واقعًا تعمل السلطات الإسرائيلية على تطبيقه بالقوة، فهو يتصدر قائمة الأولويات لدى الاحتلال، وهذه الإجراءات  المتعاقبة التي تقوم بها سلطة الاحتلال، لا تؤكد غير سعيها الحثيث على تطبيق مخطط التقسيم الزّماني والمكاني للمسجد الأقصى.

    ثانياً: أهم تفاصيل المقترح الإسرائيلي لتوزيع الأوقات والأماكن في الحرم

    حسب مؤسسة الأقصى فإن المقترح الإسرائيلي الذي يُفصّل توزيع الأوقات والأماكن والكيفية التي ستخصص للصلوات اليهودية على النحو التالي:

    أولاً:

    "الصلوات الفردية": يقوم بها فرد واحد فقط؛ بصوت منخفض يُسمع نفسه بشفتيه دون أن يحمل الكتب والأدوات المقدسة.

    "الصلوات الجماعية": صلوات لعشرة أفراد أو أكثر .

    "المواسم الإسرائيلية": الأيام التي توافق بها الأعياد ومواسم الصيام لدى اليهود.

    يتم تعيين وتخصيص مسؤول يتحمل تنفيذ بنود ترتيب الصلوات اليهودية  بجبل الهيكل.

    ثانياً:

    -تقام الصلوات الفردية دون الكتب أو الأدوات المقدسة؛ وتؤدى في المساحات المشار إليها باللون الأخضر في الخريطة المرفقة لمدة ساعتين كل صباح؛ بعد فتح أبواب جبل الهيكل لليهود لأداء صلاة الافتتاح الصباحية (شحاريت)؛ ولمدة ساعة كاملة يومياً في ساعات بعد الظهر قبل إغلاق الجبل لأداء صلاة الإغلاق (منحه).

    -أما الصلاة الفردية باصطحاب الكتب والأدوات المقدسة فتؤدى في المساحة المشار إليها باللون البني في الساعات المذكورة أعلاه .

    -وتؤدى الصلاة الجماعية في المساحة المشار إليها باللون البني؛ يسمح خلالها باستعمال التوراة والكتب والأدوات المقدسة؛ أيام الاثنين والخميس والسبت من كل أسبوع؛ واليوم الأول من كل شهر عبري؛ وفي الأعياد والمواسم اليهودية؛ وتقام الصلوات الجماعية يومياً لمدة  ساعة بعد الافتتاح(شحاريت) ونصف ساعة قبل الإغلاق (منحه)؛ في أيام السبت والمواسم وتخصص ساعتين ونصف ساعة للصلاة الصباحية الجماعية؛ أما في رأس السنة العبرية؛ ويوم الغفران فتخصص أربع ساعات للصلاة الصباحية الجماعية وتخصص ساعتين ونصف الساعة يوم الغفران لصلاة (منحه) في المساحة المخصصة.

    -يسمح نصب مؤقت لصفائح وخيم وكراسي؛ وطاولات لقراءة التوراة والخزانة المقدسة الملفوفة.

    -خلال أوقات الصلاة أو بمحاذاتها لا يسمح أي نشاط معارض يهدد سلامة الموجودين في الموقع.

    -يقوم وزير الأديان بتخصيص مسؤول عن تنفيذ البنود المذكورة مع إمكانية إضافة موظفين حسب الحاجة؛ بالتنسيق مع الجهات المختصة .

    وكشفت "مؤسسة الأقصى للوقف والتراث" يوم ٢٢/١٠/٢٠١٣ عبر وثيقة وخارطة لقوننة تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً بكامل تفاصيلها الدقيقة والخطيرة قام بإعدادها نشطاء من حزب الليكود يطلقون

    على أنفسهم اسم "منهيجوت يهوديت"(أو قيادة يهودية)يتزعمهم "موشيه فيجلين" نائب رئيس الكنيست آنذاك؛ ويحمل المقترح اسم "مشروع قانون ونظم للمحافظة على جبل الهيكل كمكان مقدس". ولا يهدف هذا المقترح إلى نزع السيادة الإسلامية عن المسجد الأقصى فقط؛ بل إلى نزع كامل صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في كامل مساحة المسجد الأقصى؛ من قبل الاحتلال يحدد نظم وقوانين ولوائح يراها مناسبة حسب الشريعة والمواسم اليهودية؛ ليصبح المسجد الأقصى تابعاً لوزارة الأديان في إسرائيل ضمن المواقع المقدسة اليهودية و تحت صلاحيات هذه الوزارة وضمن حدود قوانين الأماكن المقدسة اليهودية. وحسب "الوثيقة"  فإن المقترح يعمل على تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود ويحدد مساحات لكل منهما؛ ويعتبر كامل مساحة المسجد الأقصى مقدساً يهودياً يطلق عليه "هار هبايت" أو "جبل البيت" .

    ويحدد المقترح المرفق بخارطة بأن الجامع القبلي المسقوف هو فقط المسجد الأقصى؛ (وفيه فقط تؤدى الصلوات الإسلامية)؛ ويقتطع منه الجزء الموجود في أقصى الجهة الجنوبية خلف المحراب الجنوبي "منطقة الزاوية الخنثنية"؛ ويحدد المقترح بأن كامل مساحة صحن قبة الصخرة والجهة  الشرقية منه مقدس يهودي خالص؛ ويجعل خمس مساحه المسجد مساحه للصلوات اليهودية بالأدوات المقدسة أحياناً فردية وأخرى جماعية؛ ويحدد أوقات الصلوات اليهودية الصامتة فيها. مع  إمكانية  زيادة الأوقات والمساحات التي تمكن اليهود من أداء صلواتهم؛ خاصة أيام الجمعة والسبت والأعياد والمواسم اليهودية؛ وإمكانية اقتحام و دخول اليهود للمسجد الأقصى من جميع الأبواب ؛وفي جميع الأوقات؛ ويجعل المقترح من صلاحية المفوض أن  يحدد أوقات ومساحات في المسجد الأقصى لدخول اليهود فقط؛ كما يتضمن جملة من المحظورات والممنوعات ؛من أعمال الترميم والصيانة للمسجد الأقصى إلا بإذن من المفوّض؛ ويمنع الاعتكاف في المسجد الأقصى.

    المشاركة التاريخية للحكومات الإسرائيلية في التقسيم

    بدأت محاولات التقسيم بالتدرج بعد عام 1967، فقد كان في الماضي برنامجان في المسجد المبارك، الأول للمسلمين وهي أوقات الصلاة وبرنامج آخر للسائحين وهي عادة ما تكون فترة الصباح ما بين السابعة

    إلى الحادية عشرة وبين الظهر والعصر فقط . وكان السائحون يأتون من كل العالم بنظام ويدفعون تذكرة على الباب مع مراعاة الاحتشام في الملابس وكانت الأمور طبيعية .إلا أن إسرائيل استغلت هذا البرنامج بعد عام 1967 فأصبحت تدس مستوطنين وسط السائحين. وطبعا فإن المستوطنين لا يدخلون من أجل السياحة خصوصا أنهم يدخلون أكثر من مرة في اليوم الواحد، وهو ليس سلوك سائح وإنما له غرض آخر كنوع من التمهيد لتغيير وضع قائم. وتجلت تلك الإجراءات الاحتلال الفعلية لتقسيم المسجد الأقصى عام 1967 مع احتلال مدينة القدس وما تبقى من أراضي فلسطين بعد النكبة، فقد اقتحم آنذاك الجنرال الإسرائيلي مردخاي جور المسجد مع جنوده، ورفع العلم الإسرائيلي على قبة الصخرة، وحرق المصاحف ومنع الصلاة فيه، كما صادر مفاتيح أبواب المسجد وأغلقه أسبوعا كاملا، حيث مُنعت فيه الصلاة ولم يرفع الآذان.

    أعيدت المفاتيح إلى الأوقاف الأردنية التي تولت شؤون المسجد، باستثناء مفتاح باب المغاربة المخصص حاليا لاقتحامات المستوطنين. ومنذ تولي الأردن إدارة الأوقاف وشؤون المسجد الأقصى، حددت المملكة فترتين: صباحية بين الساعة السابعة والنصف والعاشرة، وأخرى مسائية بين الواحدة والثانية ظهرا، لدخول السياح الأجانب إلى المسجد .وفي تتابع للانتهاكات، قررت قاضية في المحكمة المركزية الإسرائيلية عام 1976 أن لليهود الحق في الصلاة داخل الحرم. وفي عام 1981 اقتحم أفراد من حركة "أمناء جبل الهيكل" المسجد الأقصى برفقة حاخامات، وأرادوا الصلاة وهم يرفعون العلم الإسرائيلي ويحملون كتب التوراة.

    وفي عام 1986، عقد عدد من الحاخامات اجتماعًا خاصًا قرروا فيه بصورة نهائية السماح لليهود بأداء الطقوس في المسجد الأقصى، ثم سمحت الشرطة الإسرائيلية رسميا -وللمرة الأولى- عام 1989 بإقامة صلوات للمتدينين اليهود على أبوابه.

    وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، التي أطلق شرارتها اقتحام زعيم حزب الليكود آنذاك أرييل شارون المسجد، أصبحت إسرائيل تتحكم منفردة في حركة الدخول والخروج ضمن الوقتين المذكورين، وشرعت في إدخال مجموعات من المستوطنين إلى المسجد بحراسة أمنية.

    ولقد قامت مؤسسات الاحتلال وعدداً من الأحزاب الصهيونية المتطرفة بدراسة مقترحات قوانين عدّة لتهويد المسجد الأقصى، والسماح لليهود بتأدية الصلوات داخله، بهدف نزع صلاحيات الأوقاف الإسلامية في القدس وجعل المسجد الأقصى تابعاً لوزارة الأديان في إسرائيل. وعليهِ، عقدت جمعية "عير عميم" أو (مدينة الشعوب) بالتعاون مع "مركز حماية الديمقراطية" في إسرائيل "كيشيف" مؤتمراً يهودياً في مدينة القدس مطلع حزيران 2013، أجمع فيه المتحدثون على "حقهم" بالصلاة في المسجد الأقصى، واقترح أحد الحاخامات البارزين أن تقام لجنة خاصة تبحث في سبل وطرق ووسائل التقسيم الزماني والمكاني للحرم القدسي بين المسلمين واليهود، على غرار الوضع ي المسجد الإبراهيمي في الخليل، وحينها قال يهودا غليك رئيس صندوق (إرث الهيكل) في مداخلة له: "إن الوضع في جبل الهيكل خطير للغاية ويحتاج إلى نهضة يهودية من أجل إثبات الوجود الإسرائيلي فيه".

    وخلال شهري فبراير/شباط وأكتوبر/تشرين الأول 2014 قدم نواب متطرفون للكنيست مشروعين بقانونين: الأول لسحب الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية، والثاني يتعلق بالتقسيم الزّماني والمكاني للمسجد الأقصى.

    ويقف المرابطون المقدسيون في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، ولم يسلموا منها، ولتمنعهم قوات الاحتلال من الدفاع عن المسجد الأقصى أصدرت يوم 17 سبتمبر 2015 قانوناً اعتبرت فيه المرابطين في المسجد  "إرهابيين" ويحاكمون في محاكمهم بهذه التهمة.

    وفي سياق متصل، أكدت "مؤسسة القدس الدولية"، أن إسرائيل تسعى لاستبدال المكون البشري الإسلامي في المسجد الأقصى، بالمكون الاستيطاني اليهودي، "تمهيدًا للتقسيم المكاني لأجزاء من باحات المسجد". جاء ذلك في تقرير أصدرته المؤسسة بعنوان "عين على الأقصى" في 18/9/2018 ، والذي رصدت فيه واقع المسجد الأقصى والاعتداءات الإسرائيلية عليه خلال عام كامل. ووفق التقرير، فإن إسرائيل "تسعى إلى استبدال المكون البشري الإسلامي، من مرابطين ومصلين ومعتكفين، بالمكون الاستيطاني اليهودي، مقدمة لتحقيق التقسيم المكاني لأجزاء من باحات المسجد". كما أشار إلى ارتفاع نسبة المقتحمين لـلمسجد الأقصى، من قبل مستوطنين والأمن الإسرائيلي والطلاب اليهود، بنسبة 40.3% مقارنة بالعام الماضي.

    وفي الختام لابد من التذكير، أنّه من أجل 400 مستوطن يستوطنون مستوطنة "كريات أربع" في مدينة الخليل تمّ تقسيم الحرم الإبراهيمي زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود، فكيف والأمر يتعلق بمدينة القدس التي يعتبرها قادة الكيان المحتل "عاصمة دولتهم اليهودية" والتي لن تكتمل إلا بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم.  .

    المصادر والمراجع:

    1-    مؤسسة الأقصى للوقف والتراث.

    2-   مركز المعلومات الوطني الفلسطيني  وفا.

    3-   المسجد الأقصى من الحريق إلى التحرير.

    4-   مؤسسة القدس الدولية.

    (المقال يعبر عن رأي صاحبه)

    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook