03:49 11 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    البرلمان الألماني

    اعتذار ألمانيا لضحايا ناميبيا

    Flickr/ Hernán Piñera
    آراء
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 0 0

    الاعتذار عن التاريخ الاستعماري لا يسقط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في تلك الحقبة، لكنه قد يساهم في فتح صفحة جديدة بين الشعوب والدول المعنية.

    ترفض غالبية حكومات الدول الاستعمارية السابقة الاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها جيوشها ضد شعوب المستعمرات في آسيا أفريقيا وأميركا اللاتينية، ومرد الرفض محاولة للتهرب من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن تلك الجرائم، التي لا تسقط بالتقادم، وتمثل فرنسا وبريطانيا النموذجين الأسوأ في هذا المجال، على العكس من ألمانيا، التي خطت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين خطوات متقدمة على طريق الاعتراف بجرائم النازية ضد البشرية، وأبدت مؤخراً استعدادها للاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها قوات الإمبراطورية القيصرية الألمانية الاستعمارية في ناميبيا.

    وزارة الخارجية الألمانية أصدرت بياناً، في الثالث عشر من الشهر الجاري، كشفت فيه عن أن وزير الخارجية الاتحادي، فرانك-فالتر شتاينماير، يعمل مع نظيره الناميبي من أجل إصدار بيان مشترك، قبل الانتخابات البرلمانية الألمانية في العام المقبل، عن الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الألماني في ناميبيا مطلع القرن الماضي، وراح ضحيتها  عشرات الآلاف من أبناء القبائل الناميبية، ناهيك عن عمليات التعذيب والاضطهاد العنصري، وتشغيلهم كعبيد في ظروف قاسية، وإجراء تجارب طبية عليهم.

    تقديرات الأمم المتحدة لعدد للضحايا الناميبيين، الذين سقطوا في جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الألماني بحقهم،  80% من سكان قبيلة "هيريرو"، و50% من قبيلة "ناما"، ما بين عامي 1904- 1907، بالأرقام قتل نحو 100 ألف شخص من عرق الـ"هيريرو" وحوالي 10 آلاف آخرين من عرق الـ"ناما"، إلى جانب آلاف من البشر، لا يعرف عددهم على وجه الدقة، شملتهم عمليات الإبادة المنظمة التي نفذتها القوات الألمانية في المنطقة التي تعرفت آنذاك باسم "جنوب غرب إفريقيا الألماني"، وتضم الكاميرون وتوغو وناميبيا، وجزءاً من بوتسوانا وآخر من كينيا.

    عمليات الإبادة قادها (آنذاك) الجنرال الألماني الجنرال لوثر فون تروثا، الذي كلف بسحق ثورات القبائل الناميبية على الاحتلال الألماني، ووثقت عن شهود عيان صور مروعة عن الوحشية التي تعامل بها الجنود الألمان مع أبناء قبيلتي "هيريرو" و"ناما"، فبعد قمع الانتفاضات قام الجنود الألمان بقتل كل من صادفهم من أبناء القبيلتين، من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ومن ثم هجَّروا من بقي منهم على قيد الحياة إلى صحراء "أوماهيكا" ليموتوا جوعاً وعطشاً، وقلائل منهم استطاعوا قطع الصحراء والوصول إلى المناطق التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني، ويقال أن عدد الناجين لم يتجاوز ألف شخص فقط.

    يذكر أن وزيرة التعاون الألمانية الأسبق، هيدي ماري فيتزوريك زول، قدمت عام 2004 اعتذاراً رسمياً، اعترفت فيه بأن الألمان يتحملون مسؤولية أخلاقية إزاء ما اقترفته بلادهم من جرائم في تلك الحقبة الزمنية، بيّْد أن الحكومة الألمانية رفضت حينها تقديم تعويضات مالية لناميبيا، بذريعة عدم احتواء القانون الدولي عام 1907، بنوداً تنص على دفع تعويضات، لكنها وعدت بتقديم مساعدات للدولة تقدر بـ14 مليون دولار سنوياً، الأمر الذي اعتبره الناميبيون كنوع من الإهانة.

    لا ريب في أن من واجب ألمانيا الإقرار بجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاستعمار الألماني في أفريقيا، غير أنه يسجل لها بأنها تعاملت بشكل أفضل من الدول الأوروبية الغربية الأخرى، حيال الموقف من الحقبة الاستعمارية، حيث مازالت دول أخرى، مثل فرنسا وبريطانيا، الإقرار بالجرائم التي ارتكبتها وتقديم اعتذار عنها، ويعبر السلوك الاستعلائي هذا عن موقف لا أخلاقي يحاول التغطية على جرائم الحقبة الاستعمارية وتبريرها.

    وفي سياق متصل، اعتذرت ألمانيا في عام 2004 للشعب الروسي عما ارتكبه نظام هتلر النازي بحقه في الحرب العالمية الثانية، وجاء الاعتذار على لسان المستشار الألماني السابق، غيرهارد شرودر، خلال الاحتفالات الرسمية والشعبية الألمانية بمناسبة الذكرى الـ60 لتحرير ألمانيا من النير النازي. كما اعتذرت ألمانيا في آذار (مارس) 2014، على لسان الرئيس يواخيم جاوك، عن الجرائم التي ارتكبتها القوات النازية في اليونان خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن جاوك جدد رفض ألمانيا دفع أي تعويضات لضحايا النازية، مما يبقي اعتراف الحكومة الألمانية بالمسؤولية في حدود المسؤولية الأخلاقية دون تحمل أي نتائج أخرى تترتب عليها، مثل تقديم تعويضات مادية.

    والاستثناء الوحيد هنا إسرائيل، فوفقاً لاتفاقية لوكسمبورغ، الموقعة بين ألمانيا وإسرائيل، التزمت ألمانيا بدفع 3 مليارات مارك ألماني لإسرائيل مابين 1953- 1965، بالإضافة إلى معاش شهري لكل يهودي، في أي مكان، يثبت أنه تعرض لمطاردة الحكم النازي.

    في كل الأحوال لا بدَّ من الإشادة بتطور الموقف الألماني، بالقياس إلى مواقف باقي البلدان الاستعمارية الأوروبية الغربية، مع التأكيد على أن الاعتذار عن التاريخ الاستعماري لا يسقط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في تلك الحقبة، لكنه قد يساهم في فتح صفحة جديدة بين الشعوب والدول المعنية.

     

     

     

     

     

    انظر أيضا:

    ألمانيا تطمح لاستعادة العلاقات مع روسيا إلى سابق عهدها
    ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ستقترح خطة عمل جديدة بسبب خروج بريطانيا
    ألمانيا تنفي وجود قوات لها في سوريا
    الكلمات الدلالية:
    أخبار ألمانيا, اعتذار, ألمانيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik