05:06 22 يوليو/ تموز 2018
مباشر
    مدينة الموصل بعد التحرير، العراق

    (بالفيديو والصور) بعيون "سبوتنيك"... عبور دجلة إلى الموصل القديمة التي أنهكتها الحرب

    © Sputnik . Sarah Nour Al-Deen
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    الموصل وما بعد تحريرها (72)
    0 10

    لم يكن دخول الموصل بعد تحريرها من "داعش" كما في أفلام هوليوود على وقع طبول الفرح وعودة الحياة إلى مجاريها بطرفة عين واحدة.

    الموصل — سبوتنيك.  فبعد استكمال سلسلة من الموافقات والإجراءات الأمنية، بدأت الرحلة باتجاه محافظة نينوى، التي تبعد عن مدينة أربيل نحو 85 كيلومتراً فقط، إلا أنها الأطول على الإطلاق بالنسبة للمدنيين النازحين من شراسة القتال الذي لا يزال دائراً غرب الموصل، على الرغم من إعلان تحريرها قبل يومين.

    جسر النصر

    "الجسر مغلق، لا أحد يمر" هكذا قال الجندي المسؤول عن تأمين جسر "النصر" الرابط بين شقي مدينة الموصل، شرقها وغربها، أو كما يقول الموصليون: الساحل الأيسر، والساحل الأيمن.

    وقف المئات من نازحي الموصل بانتظار فتح الجسر لإعادتهم إلى منازلهم في أنحاء غرب الموصل، منهم من يحاول الوصول إلى منزله في المدينة القديمة للمرة الأولى منذ أن بدأت معارك تحريرها قبل 20 يوماً تقريباً.

    الجسر كان مغلقاً للصيانة، بحسب ما ذكره مصدر عسكري قريب من الموقع، ورفض ذكر اسمه، مضيفاً: "رفضنا مرور مراسلين كثر، أعدنا بعضهم للساحل الأيسر، لا مرور اليوم".

    على الرغم من كلماته الحاسمة إلا أنه طلب منا الانتظار قليلاً علّه يستطيع تسهيل مهمتنا خلال ساعة. وبعد مرور ساعة ونصف تقريباً، أذن لنا بالمرور.

    "أطلال" البيوت أحن إلينا من حياة النزوح

    كان النازحون يصطفون وراءنا لساعات من الصباح وحتى الظهيرة، بينهم كانت "ليلى"، البالغة من العمر 13 عاماً، تعيش في حي الميدان الذي حررته القوات العراقية منذ أيام فقط، لكن عشرات من عناصر "داعش" الإرهابي لا يزالون متواجدين فيه حتى الآن.

    قالت "ليلى" لـ"سبوتنيك" أثناء انتظارها فتح جسر النصر للعودة لمنزلها مع أسرتها: "هذه المرة الأولى التي سأرى فيها بيتنا منذ خرجت منه في منتصف شهر رمضان الماضي. 10 حزيران/يونيو الماضي"، موضحة: "أمي سبقتني وشافت البيت، أو بقايا البيت، فأنقاضه لا زالت موجودة".

    تقول أم ليلى — رفضت ذكر اسمها- إن منزلها وهو في بناية من 3 طوابق، في حي الميدان تعرض، بعد هروبهم من المعارك التي اندلعت، إلى تفجير عدد من السيارات المفخخة، مؤكدة: "رجعت من كم يوم تقريبا لبيتنا، أهون أن نعيش وسط الحرب ولا إننا نشحت قوتنا وقوت ولادنا، لاقيت البيت مدمر بالكامل، وأمامه سيارات متفحمة بالكامل".

    أشارت ليلى إلى أن "عناصر من تنظيم "داعش" أعطوا الأهالي القاطنين في الشارع مهلة 10 دقائق للهروب، قبل تفجير السيارات الملغمة"، متابعة: "كلنا حريم ورجال وأطفال طلعنا بالملابس اللي علينا نركض ناحية الجيش والقوات الأمنية، وبعد دقائق بس سمعنا انفجارات هائلة، فعرفنا إن بيوتنا ومالنا وحالنا كله تفجر".

    أما الحاجة "رحمة" — رفضت ذكر اسمها خشية على حياتها- فقالت إنها من سكان حي "الشفاء" الذي حررته القوات العراقية في منتصف حزيران/يونيو الماضي، إلا أنهم لم يتمكنوا من العودة لمنازلهم على الفور، موضحة: "هربنا على الساحل الأيسر بعد ما سلمنا أنفسنا لجهاز مكافحة الإرهاب وسط معارك تحرير الحي، طلعنا باللي علينا بس، تركنا كل شيء وهربنا بحياتنا من التفجيرات، والقتال هناك".

    • مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      © Sputnik . Sarah Nour Al-Deen
    • مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      © Sputnik . Sarah Nour Al-Deen
    • مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      © Sputnik . Sarah Nour Al-Deen
    • مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      © Sputnik . Sarah Nour Al-Deen
    • مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      مدينة الموصل بعد التحرير، العراق
      © Sputnik . Sarah Nour Al-Deen
    1 / 5
    © Sputnik . Sarah Nour Al-Deen
    مدينة الموصل بعد التحرير، العراق

    النزوح في الأيسر… هل من جار يُجير؟

    وأضافت الحاجة رحمة: "القوات الأمنية بعد التدقيق في سجلاتنا، أرسلونا للجانب الأيسر، هناك استأجرنا غرفة واحدة فقط لكل العائلة، لأن إمكانياتنا المادية لم تسمح بأي شيء آخر، لقد تركنا كل أملاكنا وهربنا، ولكن لم يساعدنا أحد بعد هروبنا".

    تقول الحاجة:

    "أرجوكم أنتم صحفيون قولوا لأهل الأيسر يحنّوا قلوبهم علينا نحن جيرانهم بالأيمن، أي إيجار يطلبوا من 3 ورقات "300 دولار" لـ5 ورقات "500 دولار"، نحن من وين نجيب، تركنا كل شيء في بيتنا وانفجر بكل أغراضنا وحالنا وأملاكنا بعد ما هربنا".

    ولفتت الحاجة إلى أنها "مع بناتها وبعض من جيرانها يقطنون جميعاً في مضافة خصصها إمام المسجد المقابل لبعض البنايات السكنية المدمرة بالكامل في حي الشفاء"، متابعة: "ليس لدينا أموال للإيجارات في أي مكان، الأفضل لنا العيش كلنا في مكان ضيق ولا أن تغرقنا الديون والمعاملة السيئة".

    تقول "س. ر" من سكان حي الآبار، أيمن الموصل (غرب)، إنه حالفها الحظ وهربت من الحي مع بدء معركة تحريره قبل شهرين تقريباً، موضحة: "الحمد لله نحن خرجنا من الحي هاربين بالليل، بعد يومين من بداية تحرير الحي، قررت أنا وجاراتي السيدات وأولادنا نطلع، "الدواعش" كانوا سيقتلوننا، إذا ما انهزموا ونحن في بيوتنا".

    أحب معلمتي جداً

    لم يدخل معظم التلاميذ في أحياء أيمن الموصل أي مدارس خلال السنوات الثلاث الماضية، كان بعضهم يصطف مع ذويه بانتظار فتح الجسر في طريقة عودته من أداء أول اختباراته المدرسية، منذ سيطر "داعش" على الموصل في حزيران/يونيو 2014.

    وقال محمد، الطالب بالصف الرابع الابتدائي:

    "أنا كنت أحب معلمتي جداً، وبعد ما سيطر الدواعش على الحي الذي نسكنه في أيمن الموصل، منعوا المعلمات من التدريس في مدارس الصبيان".

    "لم أتعلم أي شيء خلال السنوات الثلاث الماضية، سوى أن طلقة زائد طلقة تساوي طلقتين"، هكذا وصف محمد، البالغ من العمر 9 سنوات، ما تعلمه خلال أسبوع واحد في مدرسته بعد سيطرة التنظيم على المدينة.

    وعن أسباب منع الأطفال من الدراسة في مدارس التنظيم، تقول والدة محمد: "منعنا بناتنا وأولادنا من الذهاب لمدارس الدواعش، أنا ابني دخل كتاب مدرسي في الصف الخامس الابتدائي، مكتوب فيه كيفية تصنيع القنابل والمفرقعات".

    وحول مصدر هذه الكتب ومكان طابعتها، قالت والدة محمد وعدد من السيدات اللائي كنّ مع أولادهن في طريق العودة من المدرسة، إنهن لا يعرفن من أين أتى عناصر التنظيم بهذه الكتب، وقالت والدة طالبة كانت تؤدي اختبار النقل للصف السابع: "بنتي من ثلاث سنوات لم تلتحق بالمدرسة، واستفدنا من العفو الذي أقرته وزارة التعليم، وكانت تختبر امتحان النقل مباشرة من الصف الرابع للسابع".

    وقال عدد من السيدات اللائي ذهبن مع أبنائهن لأداء امتحان النقل إن "العفو الوزاري عن السنوات الثلاث الفائتة قرار ممتاز، ولكن نريد أن تبذل الوزارة قصارى جهدها لتعويض الأطفال ما فاتهم من دراسة".

    وحيث بدا أن الأهالي فقدوا الأمل بمستقبل مشرق لأولادهم في بلادهم، يصبح الهدف من تعليم أطفالهم هو زيادة فرصة قدرتهم على الهجرة.

    وتقول والدة فاتن: "الآن عدنا من امتحان نقل ابنتي من الصف الرابع للسابع، لكن الأهم أني أريدها أن تتعلم اللغة الإنجليزية، لتهاجر من العراق، ما يحدث في بلدنا لا يبشر بمستقبل لأولادنا، بيوتنا دمرت بالكامل في حي الزنجيلي، ولا زالت الخلايا النائمة في الحي، تقتل وتفجر القنابل والمفخخات، حتى الآن".

    حال النسوة تحت نير داعش

    كانت النساء يعانين تحت حكم "داعش"، حسب ما تقوله الشابة "ر. ي" البالغة من العمر 27 عاماً، قائلة:

    "ألزمونا ارتداء النقاب وتغطية كامل وجوهنا وحتى العينين، وكانت الداعشيات لنا بالمرصاد في الشوارع".

    وأضافت أن التنظيم "خصص كتيبة سيدات تابعة لديوان الحسبة لتحصيل غرامات من أي واحدة تسير في الشارع بملابس مخالفة لما فرضوه، أو تظهر عينيها بس".

    وفي حين فرض التنظيم ارتداء النقاب على سيدات الموصل، كان الجيش والقوات الأمنية يحظره تمام، وبين فرض النقاب ومنعه، يصبح "السجن المنزلي" كل المتاح لهن.

    ووفقاً لما تقوله "ر. ي"، فإنه "مع بدء المعارك في حي الآبار، كان الدواعش لا زالوا يجبروننا على ارتداء النقاب، ولما هربنا المرة الأولى خارج الحي أجبرنا الجيش على خلعه، في البداية لما عدنا إلى منازلنا بعد إعلان تحرير الحي كانت الخلايا النائمة للتنظيم لا تزال موجودة، وكان يهددونا لو طلعنا من بيوتنا دون الزي الشرعي كما يقولون، فكانت كثير من جاراتي محبوسات في بيوتهن لشهرين تقريباً حتى اكتمل تطهير المنطقة".

    الذبح أسهل أحكام "داعش"

    تقول السيدة "هـ. ف"، وهو اسم مستعار لها، إنها من حي الشفاء، بالقرب من المستشفى العام، وكان أحد أقربائها حارس محطة كهرباء بالموصل، أعدمه التنظيم قبل 6 أشهر تقريباً، قائلة: "زوج بنت أختي كان في حراسة محطة كهرباء بعيدة عن المدينة، وكان يبيت في عمله، ولا نراه إلا كل فترة، علمنا في شهر كانون الثاني/يناير الماضي أن عناصر التنظيم قطعوا رقبته لأنه تلفظ بسب الدين احتجاجاً على سرقتهم لبنزين مولدات الكهرباء".

    وأوضحت "هـ. ف" أن زوجته علمت هذا الأمر من أحد زملاء زوجها الذي ذبحه التنظيم، متابعة: "نحن أناس متدينون بطبيعة الحال، لا نقبل بسب الدين وهذه الألفاظ، لكن الرجل انفعل في حالة غضب بعد سرقة عناصر التنظيم لخزانات الوقود الموجودة في المحطة، فقال كلمة ندم عليها، لكنهم لم يسامحوه، وعلمنا من بعض زملائه أنهم وضعوا رأسه على خشبة مثل القصابة وأطاروا رقبته بضربة سيف".

    عبور دجلة

    بعد ساعتين تقريباً، سُمح بعبورنا الجسر العائم باتجاه الجانب الأيمن للموصل، وسط تشديدات أمنية من قوات الحشد الشعبي والفرقة التاسعة التابعة له، وقبله بدقيقتين يقبع مبنى فندق نينوى المطل على نهر دجلة، أكبر فنادق الموصل قبل استيلاء التنظيم الإرهابي عليها، وقد أنهكت الرصاصات والتفجيرات مبناه.

    لم يستغرق عبورنا للجسر فوق نهر دجلة سوى أقل من 5 دقائق، فيما كان يسير على جانبيه مقاتلو الحشد الشعبي باتجاه الجانب الآخر، الذي بدى للوهلة الأولى مدمراً بشكل كبير.

    طريق ترابية تصل من الجسر حتى أول نقطة تفتيش — سيطرة — تابعة للحشد الشعبي بالجانب الأيمن، خلفها يقع مبنى ضخم كالقلعة القديمة، دمرت أكثر أجزائها إثر القصف والقتال، واستُبدل علم دولة الخلافة الأسود بالعلم العراقي.

    على جانبي الطريق إلى قلب مدينة الموصل غرب النهر، كانت كل البيوت والمباني مدمرة بشكل جزئي أو كلي، لم ينجُ مبنى واحد من آثار الضربات، أو الرصاصات، طريق طويلة تلك التي شقتها القوات العراقية لتخليص هذه المدينة من براثن تنظيم "داعش".

    "مررنا من هنا"

    على جدران المباني والبيوت كتب بعض من مقاتلي الحشد الشعبي أسماءهم، وربما أسماء من اعتقلوهم أو قتلوهم من كبار قادة التنظيم الإرهابي، فعلى الجدران خطّ هؤلاء أسماءهم متبوعة بـ "كنا هنا" أو "مررنا من هنا".

    ببطء سارت عجلات سيارتنا على الدرب غير الممهد الواصل بين سيطرة حي 17 تموز وحي الآبار، وسط دوي انفجارات تحيطنا وأدخنة سوداء تتصاعد في الجو بين الحين والآخر، وتحذيرات من مصدر أمني في الشرطة الاتحادية بعدم تجاوز الطريق والرجوع إلى الخلف، فلم تكتمل عمليات تطهير المنطقة بعد.

    في حي الآبار أطلت سيدة في الأربعينيات من العمر تجتاز بركة كبيرة من الصرف الصحي على مدخل الحي، طلبت عدم تصويرها أو كتابة اسمها، وقالت: "والله عايشين مُرٌ وضيقٌ، لا يوجد شيء نعيش منه أو به، لا كهرباء، ولا ماء نظيفة للشرب، والبيوت مدمرة، وفيه بعض جثث قتلى داعش التي لا تزال تحت الأنقاض".

    رائحة الموت

    تركنا السيدة في طريقها لشراء بعض حاجاتها، ومضينا إلى حي الثورة المقابل، لتستوقفنا رائحة عفنة ملأت المكان، سألنا "ر. د" البالغ من العمر 65 عاماً عن مصدرها، فقال: "هذه جثث في المنزل المقابل تحت الأنقاض، لا نعرف كيف نخرجها لدفنها، كي لا تجلب إلينا الأمراض".

    في المنزل المجاور شبه المدمر بالكامل، كانت جثة عنصر تابع لتنظيم "داعش" لدى البوابة الحديدة، بحسب خالد غانم، البالغ من العمر 52 عاماً، من سكان المنطقة، فإن عدداً من مقاتلي التنظيم الإرهابي اقتحموا هذا المنزل المملوك لجارهم، حيث كانت زوجته وأبناؤه وأخواته متواجدين فيه، وظلت المعركة دائرة لساعات قبل أن تقرر شرطة مكافحة الإرهاب اقتحام المنزل فجأة.

    أضاف غانم واثنين من الجيران أيضاً أن "المعركة بين شرطة المكافحة والإرهابيين المتحصنين في المنزل كانت قبل أسابيع قليلة قبيل تحرير الحي بشكل كامل، وبعد أيام بدأت رائحة الجثث تفوح في المكان، فقرر الأهالي التطوع لاستخراج الجثث ودفنها، لكنهم لم يتمكنوا من دفن الجميع".

    السراديب

    بين الأنقاض ورائحة القتلى حاولنا تفقد المنزل، إلا أننا لم نتمكن من الدخول إلى باحته، بعد تحذير الأهالي بوجود مخلفات الحرب التي دارت في المكان، إلا أن أحد الانفجارات ترك فتحة كبيرة في سقف الطابق السفلي، أو كما يسميه العراقيون "السرداب".

    سكان المنازل المجاورة لهذا البيت المدمر رووا حكايات عن هذا المكان:"

    "السيدات والأطفال فور سماعهم الانفجارات وأصوات الأسلحة، نزلوا مباشرة إلى السرداب، في الطابق تحت الأرض، ولولا ذلك لكان نحو 25 سيدة وطفلاً في عداد القتلى".

    خلال الأشهر الماضي كانت "السراديب" تلعب دوراً في إنقاذ حياة المدنيين العراقيين منذ اندلاع المعارك، فكانوا كلما اشتدت الانفجارات واقترب دويها إليهم، ينزلون إلى سرداب المنزل للاحتماء، على الرغم من أن الهدف الأساسي من إنشائه تحت المنزل هو أن يكون مخزناً للمياه، والأغذية، والأغطية، وغيرها من مستلزمات البيوت، كما يقول الحاج محمد العراقي أحد سكان حي الثورة.

    أضاف العراقي الذي يسكن من المنزل المجاور لـ"جثة الداعشي" أنه كان يمنع أفراد أسرته من الخروج من السرداب طيلة اليوم، قائلا: "عشنا شهورا صعبة، الدواعش كانوا يقتحمون البيوت للاحتماء بها، وكانوا يستخدموننا دروعا بشرية أمام قوات الجيش والمكافحة، لم يكن لدينا ما نأكله ونشربه لعدة أيام بعد نفاذ ما لدينا في البيت، والمعارك طولت، الحياة لم تعد بعد لطبيعتها حتى الآن، على الرغم من تحرير المنطقة قبل 40 يوما".

    باتجاه حي الزنجيلي في المدينة القديمة كان بعض العراقيين يتفقدون أطلال منازلهم ومملكاتهم على جانبي الطريق التي باتت غير صالحة للسير عليها، بات الدمار السمة العامة للمدينة، فيما تشق الحياة طريقها بصعوبة بالغة للعودة إلى المدينة.

    يقول محمود الذي يمتلك محل حلاقة في حي الصناعة القديمة إنه أعاد إعمار محله ومنزله المدمرين، "لكن الحياة متوقفة تماماً على الرغم من مرور أكثر من شهر على تحرير الحي".

    وأضاف محمود أن "عدد قليل من الناس عادوا لمنازلهم أو ممتلكاتهم بأيمن الموصل، من لم يخسر ماله خسر أحد من أهله، وكثيرون جداً فقدوا الاثنين، في هذه المعركة"، متابعاً: "من كان يعيش قبل 80 سنة كان أحسن 100 مرة من حياتنا تحت حكم الدواعش، لكن الحياة متوقفة تماماً، نعيش على المساعدات القليلة التي تأتينا".

    ولفت محمود إلى أن جهاز مكافحة الإرهاب يعتقل عناصر من التنظيم الإرهابي بشكل يومي، قائلاً: "يومياً يقبضون على عدد كبير جداً منهم"، متابعاً: "الجانب الأيسر عادت الحياة له بشكل أسرع، لكن الأيمن هنا كل البنى التحتية تهدمت جراء الحرب، ولن تعود له الحياة الطبيعية قريباً".

    اعتقال "نساء الحسبة"

    بالقرب من نقطة مفارز الاستخبارات التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، كانت القوات تلقي القبض على عدد ممن تتهمهم بأنهم "دواعش"، اقتيد الكثير منهم معصبي الأعين ومقيدي الأيدي إلى سيارات "هامر" سوداء اللون تابعة للجهاز، وبسؤال مصدر أمني في الموقع، قال إن "هؤلاء عناصر من التنظيم الإرهابي، بعضهم مطلوبون ومعروفون لدى الأجهزة الأمنية".

    حسب المصدر، يمتلك الجهاز قوائم كاملة بأسماء عناصر التنظيم في الموصل القديمة، وفقاً لما أفاد به عناصر الاستخبارات الذين كانوا يعملون لصالح الأجهزة الأمنية بشكل متخفٍ خلال الأشهر الماضية.

    وشدّد المصدر على أن "المتهمين يجري نقلهم لنقاط التفتيش على الطريق الرابط بين الموصل وبغداد، تمهيداً لتسليمهم لسلطات العاصمة، وتقديمهم للمحاكمات".

    أشار المصدر إلى أن العائلات النازحة خلال اليومين الماضيين من أحياء الموصل القديمة، معظمهم ينتمون لمقاتلي التنظيم الإرهابي، وبعض السيدات كنّ يشغلن مناصب في ديوان الحسبة، في التنظيم، وهن مطلوبات أيضاً وجرى التعرف على عدد منهن.

    في هذه الأثناء كانت عشرات السيدات والفتيات والأطفال يصعدن إلى سيارة شحن تابعة للجيش العراقي، ستنقلهم إلى مفارز الاستخبارات الموجودة بالقرب من جسر العقرب.

    كان أحد الضباط يحمل طفلاً ملفوفاً بفوطة بيضاء، قائلاً إنه "شيشاني، مات والده، ومن غير المعروف أين هي والدته"، ولم يتحدث الطفل إطلاقاً خلال فترة وجودنا في المكان ولم يصرخ أو يبكِ على الرغم من بكاء الأطفال حوله، فيما كان الجميع حولهم مدججين بالسلاح، ولم يشر الضابط إلى طريقة تعرفه على جنسية وانتماء الطفل.

    إعادة البناء

    على بعد كيلومترات من منارة الحدباء، وخارج مدينة الموصل القديمة، التي لا تزال القوات العراقية تقاتل عناصر تنظيم "داعش" حولها، بدأ عمال البناء في إعمار ما دمرته الحرب، وقال عمر أحد العمال إنه "يعيد إصلاح أسوار مخزن عجلات السيارات المدمر تماماً في المنطقة".

    وأضاف عمر أنه "يعمل مع 3 عمال آخرين لإزالة الأنقاض وإعادة بناء بعض الجدران في المحلات في المنطقة، لكن العمل بشكل كامل لم يبدأ بعد".

    وعمّا إذا كان يخشى العبوات الناسفة المتناثرة في أماكن متفرقة في المنطقة، قال عمر: "هناك ألغام ومخلفات حرب متفجرة، لكن الشرطة تعمل على تطهير المنطقة، ونحن نقوم بإصلاحات طفيفة في المكان، في انتظار انتهاء العمليات العسكرية والأمنية شكل تام".

    الموضوع:
    الموصل وما بعد تحريرها (72)

    انظر أيضا:

    خبير أمني عراقي يكشف سر تبخر إرهابيي "داعش"...وعاصمته الجديدة بعد الموصل والرقة
    القوات العراقية تواصل الاشتباكات مع "داعش" في الموصل القديمة
    تحرير عشرات المختطفين في الموصل بعد تحريرها من "داعش"
    "أسد الموصل" بطل من الجيش العراقي
    العبادي للعفو الدولية: أين كنتم عندما كان "داعش" يقتل أبناء الموصل
    القوات العراقية تشتبك مع "داعش" في الموصل بعد أيام من إعلان النصر
    من يدفع ثمن تحرير الموصل...منظمات دولية تطالب بتحقيقات في "جرائم حرب"
    بالصور...الموصل ترتدي حلة جديدة بعد تحريرها من "داعش"
    الكلمات الدلالية:
    أخبار الموصل, العراق, قتلى مدنيين, جثث, قتلى وجرحى, تحرير الموصل, تنظيم داعش, الاستخبارات العراقية, الجيش العراقي, نهر دجلة, الموصل القديمة, الموصل, نينوي, العراق
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik