08:16 GMT31 مايو/ أيار 2020
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 0 0
    تابعنا عبر

    في إحدى محافظات الوجه القبلي بمصر، يجلس آخر صانع "سواقي"، داخل ورشته يواجه تحديات المهنة التي قاربت الاندثار.

    ينظر بعين من الشفقة على المهنة التي قاربت الاندثار، وحنين لما مضى، وذكريات حاضرة في دوران السواقي الذي لم ينقطع حتى اليوم، وخلدتها الكثير من الأعمال السينمائية المصرية القديمة. 

    اشتهرت محافظة الفيوم بأقدم سواقي منذ مئات السنوات ولا زالت تحظى بأشهر أربع سواقي بميدانها الرئيسي، فضلا عن عشرات السواقي التي ما زالت متواجدة في مناطق متباعدة من المحافظة.

    "الله محبة، لما تدور السواقى بتجري القناة فى البستان تخضر أرضه ويطرح الورد على العيدان، يا اللى دخلت الجنينة قول لى إيه وصفة الرومان".. كلمات تَغنَّى بها المنشد الشعبى الشيخ "أحمد التونى" عن جمال "السواقى"، وغنت المطربة عصمت عبد العليم "ساقية تغنى وست سواقى من حواليها" فى فيلم "ليلة غرام"، إنتاج عام 1951، بطولة ابنة محافظة الفيوم الفنانة مريم فخر الدين، وإخراج أحمد بدرخان.

    من ضمن ما غنى للسواقي أيضا :"سبع سواقي كانت بتنعي.. على اللي نابها من المظالم، فضلت حياتها تدور وتدعي.. الله أكبر عليك يا ظالم"، غنتها الفنانة المصرية شادية في فيلم الوردة البيضاء.

    يسرد ربيع روبي أقدم صانع سواقي محافظة الفيوم بصوت يغلفه بعض الحزن على المهنة التي كادت تتلاشى بفعل الكثير من الأشياء، فاقمتها الظروف الراهنة التي يمر بها العالم من أزمة انتشار وباء كورونا.

    ورث المهنة عن أجداده وحاول طوال السنوات الماضية الحفاظ عليها من الاندثار رغم تراجعها بشكل كبير، إلا أنه أبى أن يفرط في مسيرة الأجداد التي توارثت صناعة السواقي على مستوى المحافظة، بل كان يصنعها لبعض المحافظات الأخرى بمصر.

    صناعة السواقي
    © Photo / Mohamed Rohym
    صناعة السواقي
    أحد أسباب استخدام السواقي في الفيوم كان لارتفاع الأرض عن منسوب البحر، والترع التي تمتد لأماكن عدة بالمحافظة، فكانت تستخدم الساقية لرفع المياه من البحر عبر مجرى تمر من خلاله المياه إلى الأرض.

    تشير العديد من المراجع التاريخية، وحسب تأكيد أخر صانع للسواقي، إلى أكثر من ألفي عام،  حيث تعود للعصر البطلمي، خاصة أن زراعة الأراضي على ارتفاع يزيد على 26 متراً فوق سطح البحر، وتنتهي بارتفاع 44 مترا تحت سطح البحر شمالاً عند شواطئ بحيرة قارون، تطلب ابتكار طريقة هندسية لرفع المياه، فكانت السواقي.

    بعض السواقي تدار بطريقة طبيعية من خلال اندفاع المياه، حيث ساهم انحدار الأرض في صناعة مجموعة من الشلالات على طول بحر يوسف وهو فرع الفيوم من وادي النيل، خاصة أن المحافظة لا تقع على وادي النيل مباشرة مثل المحافظات الأخرى.

    حسب ما يؤكد روبي أن سواقي الهدير أو ما يسمى بـ"التوابيت"تصنع من الخشب الأبيض، الذي يطلق عليه في تلك المنطقة "العزيزي"، يتوسطها بعض الأطوال من شجر الجزورين المنتشر على حواف النيل والترع في دلتا مصر.

    تغلف الساقية من الجانبين بالخشب الأبيض يسمى بـ"السويدي"، وتتخللها عدة فتحات لخروج الماء تسمى "العيون"، وهي عبارة عن قطع من الخشب، تثبت على الدوارة على شكل أرفف قوية، لتستقبل قوة دفع المياه، قبل أن تحملها إلى التابوت، في عملية ميكانيكية تحمل الماء من أسفل إلى أعلى طريق قوة ضغط المياه، ويصل ارتفاعها من 5 إلى 8 أمتار، في بعض الأحيان، ولا تزال هناك أربع سواقي تعمل بنفس الطريقة حتى اليوم في وسط المحافظة لكنها أصبحت مزارا، حيث ترد المياه التي ترفعها مرة أخرى إلى بحر يوسف، إثر تحول المنطقة كلها إلى منطقة سكنية، فيما يختلف ارتفاع السواقي التي تعمل بالدواب حسب عمق المياه في المنطقة التي تثبت بها.

    • صناعة السواقي
      صناعة السواقي
      © Photo / Mohamed Rohym
    • صناعة السواقي
      صناعة السواقي
      © Photo / Mohamed Rohym
    1 / 2
    © Photo / Mohamed Rohym
    صناعة السواقي

    تستغرق الساقية نحو 30 يوم في عملية التصنيع، ويعمل بها نحو 7 من الصنايعية، بشكل متواصل.

    أكثر من 150 ساقية منتشرة في الفيوم حتى اليوم، لكنها تتراجع من حين لأخر حيث يعتمد الفلاح في الوقت الراهن على الموتور الذي يعمل بالكهرباء لرفع المياه، حيث يعد الأسرع مقارنة بالساقية التي كانت تحتاج للدواب من أجل دورانها.

    يؤكد روبي أن الأوضاع تغيرت كثيرا في الوقت الراهن، وأن عملية تصنيع السواقي أو صيانتها تراجعت بشكل كبير، كما أثرت أزمة كورونا بشكل سلبي على كل مجالات العمل.  

    قبل سنوات ليست بالبعيدة كان يصنع من 10 إلى 15 ساقية في العام الواحد، إضافة إلى عمليات الصيانة المستمرة، وكانت عملية تركيب الساقية تستغرق نحو الاسبوع من العمل المتواصل داخل الأرض.

    حاول ربيع أن يورث المهنة لأبناءه، إلا أنهم رفضوا الأمر، خاصة أنها لم تعد مجدية في الوقت الراهن، بعد التراجع الكبير الذي أصاب المهنة، وهو ما يثير مخاوف أخر صانع سواقي، حيث يخشى بعد ذلك من عدم إمكانية صيانة السواقي الأربع المتبقية في الفيوم، ما قد يؤدي إلى خروجهما عن العمل.

    تكلفة وأبعاد الساقية

    كانت في الماضي تتراوح سعر الساقية من 10 إلى 15 ألف جنيه عام 2000، فيما تصل تكلفتها الآن إلى نحو 30 ألف جنيه في الوقت الراهن (حوالي 2000 دولار أمريكي)، وهو ما أدى إلى عزوف الكثير عن تصنيعها أيضا من الذين كانوا يعتمدون عليها في وقت سابق نظرا لارتفاع تكلفتها.

    أكبر ساقية في العالم

    يبلغ ارتفاعها 8 أمتار، قام بتصنيعها مؤخرا وتركيبها بإحدى مدن الفيوم، يؤكد ربيع أن هذه الساقيد قد تكون الأكبر في العالم، خاصة أنه من النادر أن تصنع ساقية بهذا الارتفاع، نظرا لأنه من غير الممكن استخدام عروق من الخشب موصولة، إذ يجب أن تستخدم العروق بطولها كما هو، واستغرقت الساقة نحو 20 يوما في عملية التصنيع.

    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook