09:30 GMT23 يناير/ كانون الثاني 2021
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 20
    تابعنا عبر

    مرة أخرى تتجدد الصراعات القبلية في تونس، لتودي هذه المرة بحياة مواطنيْن اثنين وإصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة، بعد نشوب خلاف عقاري على قطعة أرض بين قبيلتيْن من العمق الصحراوي في الجنوب التونسي.

     شهدت منطقة "العين السخونة" الواقعة في قلب الصحراء على حدود محافظتيْ مدنين وقبلي، يوم السبت والأحد المنقضيين، مواجهات واشتباكات دامية بين قبيلتي "المرازيق" التابعة لمعتمدية دوز (محافظة قبلي) و"الحوايا" التابعة لمعتمدية بني خداش (محافظة مدنين).

    ويعود سبب النزاع إلى خلاف قديم بين القبيلتين بشأن أحقية كل منهما في امتلاك منطقة العين السخونة التي تحوي بركة بمياه يقصدها الأهالي للتداوي بمياهها الساخنة.

    وتسببت المواجهات التي استخدمت فيها بنادق الصيد والحجارة والعصي والأسلحة البيضاء في وفاة شخصين متأثرين بجروحهما، في حين أصيب ما يزيد عن 70 شخصا بجروح متفاوتة الخطورة، كما تسبب الصراع في تضرر العديد من الممتلكات العامة والخاصة التي أحرق بعضها.

    وأعلن رئيس الحكومة هشام المشيشي عن تشكيل خلية أزمة مكونة من أمنيين وعسكريين لمتابعة الوضع في المنطقة مع إعلان حضر التجول، في وقت هدد فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد أثناء تنقله يوم الاثنين إلى المنطقة باستخدام القوة لفض هذا النزاع المسلح.

    خلاف قديم متجدد

    وصرّح الناشط بالمجتمع المدني بمنطقة بني خداش أحمد فرحات لـ "سبوتنيك" أن منطقة العين السخونة هي محل خلاف قديم متجدد بين القبيلتين بسبب احتوائها على بئر مياه جيو-حرارية.

    وبيّن أن الخلاف تحول إلى مواجهات دامية استخدمت فيها بنادق الصيد بعد فشل الاتفاق الذي توصل إليه عقلاء الجهتين قبل نحو أربعة أيام، مما أدى إلى تأجج الصراع وتحوله إلى نزاع عنيف أدى إلى خسائر بشرية ومادية.

    وذكر فرحات أن "المنطقة تعيش الآن حالة من الهدوء الحذر بعد إعلان حظر التجول في معتمديتي دوز وبني خداش، وتحول رئيس الجمهورية إلى عين المكان في خطوة شجاعة وحكيمة نحو فض هذا النزاع بشكل مدني وقانوني وسلمي مستخدما ثقله السياسي والاعتباري".

    وأشار الناشط في المجتمع المدني إلى وجود أنباء عن تدخل مستثمر قطري أراد شراء قطعة الأرض المتنازع عليها بغية تحويلها إلى محطة استشفائية طبيعية، وهو ما أدى إلى احتدام التنافس بين القبيلتين حول أحقية كل منهما في امتلاك الأرض والانتفاع ببيعها.

    وقال "لا يمكننا تأكيد هذه المعلومة، ولكن الأمر الثابت هو أن هذه الإشاعة بغض النظر عن صحتها فإنها مسؤولة بصفة واضحة في تأجيج الخلاف بين أهالي المنطقتين ودفعها نحو التصعيد".

    وأضاف أن الدولة تتحمل مسؤوليتها بصفة أولى في بلوغ الخلاف إلى مستوى عنيف بالنظر إلى كونها لم تتدخل لحسم هذا النزاع العقاري منذ سنوات، ثم القبائل المتنازعة التي سمحت بعودة النزعة القبلية متجاوزين وحدة الجغرافيا والتاريخ ومقاومة الاستعمار التي جمعتهما منذ عقود.

    وشدد فرحات على ضرورة أن تراعي اللجنة الحكومة المشكلة حديثا صعوبة الوضع وتعقيداته، وأن تكون معززة بشخصيات تمتلك فكرة واضحة وشاملة عن هذا الخلاف ولها قيمة اعتبارية لدى أهالي القبيلتين.

    عودة القبلية

    حادثة "العين السخونة" أعادت الحديث مجددا عن ظاهرة "القبلية" أو ما يسمى أيضا بـ "العروشية" التي حكمت المجتمع التونسي قبل عقود سابقة من الزمن.

    ويرى الباحث في علم الاجتماع زهير العزعوزي في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن الأحداث التي جدت مؤخرا في العمق الصحراوي التونسي تدل على أن "العروشية" ما تزال محددا أساسيا من محددات سلوك المجتمع التونسي على غرار المجتمعات الأخرى التي تحكمها بعض المبادئ والمعايير ذات الصبغة التقليدية.

    وأضاف أن الجنوب التونسي هو مجال خصب وثري لنمو النزعات القبلية بالنظر إلى تركيبته المجتمعية والثقافية الخصوصية التي تهدد التماسك الاجتماعي في تونس.

    وتابع "نزعة الانتماء للعرش أو القبيلة في تونس تنام قليلا ثم تصحو في مظاهر وأشكال عديدة، أهمها النزاعات بين الأفراد والمجموعات التي عادة ما تتمحور حول الأرض أو العرض أو الشرف، وهي أمور لا يقبل فيها الأهالي المساومة".

    ويرى العزعوزي أن كل المناطق في الجمهورية التونسية من شمالها إلى جنوبها ما تزال تحتكم إلى مبدأ العروشية والعودة إلى القبائل، قائلا "رغم التعليم الجيد وإرساء المؤسسات الدستورية لم تستطع دولة الاستقلال منذ 1956 ولا دولة القانون في التسعينات ولا دولة المواطنة بعد ثورة 2011 القضاء على العروشية أو حتى التقليص من عنف الانتماء إليها، لأسباب تاريخية وثقافية وتاريخية.

    ويعتبر العزعوزي أن القول بأن الدولة ليست قوية أمام محاربة سلطة العروشية لا يستقيم بكل المقاربات، قائلا "إن الفرد ينمو ويعيش ويتعايش داخل إطار القبيلة والعرش، وإلى حد اليوم الارتباط بالعشيرة أقوى من الارتباط بالدولة"، مشيرا إلى أن الدولة لا يمكنها أن تتصدى لهذه الظاهرة بالنظر إلى عدم امتلاكها للوسائل الثقافية والتربوية والتعليمية أو حتى الدينية والمجتمعية للتصدى لها.

    مسؤولية الدولة

    على الجانب الآخر، يرى الباحث في علم الاجتماع نجيب بوطالب أن الدولة تتحمل جزء من المسؤولية  في تواصل النزعات القبلية وبلوغ هذه الظاهرة مستويات خطرة على غرار ما حدث في منطقة العين السخونة.

    وأضاف "تهاونت الدولة التونسية في الفصل بين الأراضي الاشتراكية ولم ترسم الحدود بينها واكتفت بوضع الحدود الإدارية بين المعتمديات، متناسية أزمة الملكية الجماعية".

    وأشار إلى أن هذه الثغرة القانونية أدت إلى عودة هذه الصراعات العقارية التي تطفو في كل مرة إلى سطح الأحداث متغذية من غياب التأطير وتنامي النزعات الاحتجاجية في الجهات والتي بلغت حد التحكم في الثروات الطبيعية للشعب التونسي.

    ويرى بوطالب أن النزعات القبلية بمثابة "القنابل الموقوتة" التي تتفجر من فترة إلى أخرى  في شكل صراعات على الأرض والمرعى أو في شكل تجاذبات سياسية أو حتى خلافات بين الفرق الرياضية، قائلا إن "هذه الصراعات مرشحة للانفجار في عدة مناطق بالنظر إلى أن الأراضي الاشتراكية غير المفصولة عقاريا ما تزال منتشرة في الوسط التونسي وخاصة في الجنوب بمحافظات قفصة وقبلي ومدنين وتطاوين وقابس".

    ويرى بوطالب أنه رغم مضي نحو 70 سنة على الاستقلال وتحديث المؤسسات والتعليم والإعلام فإن الدولة الوطنية لم تستطع تفكيك البنية القبلية تفكيكا كافلا في مستويات الوعي.

    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook