30 ديسمبر 2014, 14:44

حصاد عربي مر عام 2014

حصاد عربي مر عام 2014

اشتداد الأزمات وصعود التطرف مثَّل العنوان الرئيس في العديد من البلدان العربية عام 2014، فهل سيكون العام القادم أفضل من سابقه؟

 عامر راشد

خيبات العام الجاري الذي يلفظ ساعاته الأخيرة فاقت أكثر التوقعات تشاؤماً، فقد سقطت المراهنات الكبيرة على أن يحمل معه تغييرات إيجابية تخفف من بؤس الواقع العربي المعاش، لاسيما في البلدان التي تعصف بها الأزمات من كل حدب وصوب، وتغرق في بحور من الدماء.

العراق دخل في معترك حرب ضروس مع تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" (داعش)، الذي استطاع في أيام قليلة، في حزيران (يونيو) الماضي، توجيه ضربة خاطفة سيطر فيها على مساحات واسعة من المحافظات العراقية ذات الأغلبية السنية، وأحكم سيطرته على محافظة الرقة السورية وتوغل في محافظات دير الزور والحسكة والقامشلي وريف حلب وحمص، ومازال يبدي مقاومة شرسة في مواجهة ضربات التحالف الدولي الغربي وخصومه على الأرض، في عمليات كر وفر.

استفاد تنظيم "داعش" من تراكم أخطاء العملية السياسية في العراق، التي عمقت منها ممارسات حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بإتباعها سياسات إقصائية ضد المكونين السني والكردي، وانتشار الفساد في المؤسسات الحكومية على نطاق واسع، بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية، وعبَّر عن ذلك رئيس الوزراء حيد العبادي بالقول: "خلال فترة زمنية قياسية، خلال شهر واحد، استطعت أن أكتشف من خلال التدقيق الورقي، خمسين ألف جندي فضائي (وهمي)، في أربع فرق عسكرية..".

الجيش العراقي لم يصمد أمام اجتياح مقاتلي "داعش"، رغم أنه أنفق عليه عشرات مليارات الدولارات، تدريباً وتسليحاً، وهذا يعود إلى طبيعة تكوين وحدات الجيش وعقيدتها القتالية، والحاضنة التي وفرتها النقمة الشعبية في أوساط المكون السني للتطرف الراديكالي الإسلامي بنسخته "الداعشية" الإرهابية الدموية، وفي ظل غياب رؤية سياسية متماسكة واضحة، لتصويب أخطاء الماضي، من المتوقع أن تستمر معاناة العراقيين فترة طويلة.

تنظيم "داعش" استفاد أيضاً من حلقة الصراع المفرغة في سورية، وخاض حرباً ضد الجيش النظامي ومجموعات "الجيش الحر" والمجموعات الأخرى المنضوية في صفوف المعارضة المسلحة، نجح فيها بالتمدد جغرافياً، مستغلاً عدم وجود مسارات سياسية فاعلة لحل الأزمة، فمؤتمر "جنيف 2" لم يفلح في تحريك العملية السياسية، التي مازالت تواجهها عقبات كأداء، بانقسام قوى المعارضة على نفسها، وخروج المجموعات المقاتلة عن السيطرة، والإصرار على المضي في تجريب الخيارات العسكرية والأمنية، من قبل طرفي الأزمة على حد سواء.

والتحضيرات لمؤتمر جديد، على غرار مؤتمري "جنيف 1" و"جنيف 2"، يكتنف الغموض مصيرها رغم ما يبذل من جهود وازنة لجمع طرفي الأزمة على طاولة الحوار، فما زال بون شاسع بين ما تطالب به المعارضة وما تقبل به السلطة.

وفي ليبيا جرى التعويل على الانتخابات التشريعية كتتويج لسلسلة الانتخابات في المرحلة الانتقالية، ينقل البلاد إلى مرحلة استقرار دستوري وسياسي وأمني، بيد أن ما أعقب الانتخابات أجج الصراع على السلطة، بين "المؤتمر الوطني العام" و"مجلس النواب" المنتخب، وتتصارع حكومتان على الأرض، بينما تتلاعب الميليشيات المسلحة بمصير البلاد وثرواتها.

أوضاع اليمن لم تكن بأفضل حالاً، من البلاد المذكورة، في هذا العام، فما تحقق في مخرجات الحوار الوطني، الذي استغرق فترة زمنية واسع واستنزف أعصاب اليمنيين، وكذلك ما تحقق في وثيقة "السلم والشراكة"، ذهب أدراج الرياح أو يكاد، بفرض التمدد الحوثي لثنائية في السلطة، وتفكك بنية مؤسسات الدولة السيادية، وتمادي أطراف إقليمية بالتدخل في الشؤون الداخلية اليمنية، في سياق صراع جيوسياسي على خلفية مذهبية.

لبنان ضرب رقماً قياسياً بعدد الجلسات التي فشل فيها "مجلس النواب" بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، في ظل تصاعد الاحتقان السياسي والطائفي والمذهبي لعوامل داخلية مزمنة صارت سمة من سمات نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية، نفخت على نارها ارتدادات الأزمة السورية.

الفلسطينيون كانوا على موعد مع حرب إسرائيلية جديدة وأشد شراسة ودموية على قطاع غزة، مع تواصل الحصار الإسرائيلي الشامل على القطاع. والمصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس" لفظت أنفاسها قبل أن تباشر حكومة "التوافق الوطني" أعمالها، والمفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، المستفرد بها أميركياً، انتهت مرة أخرى للفشل، ويدخل الفلسطينيون العام الجديد وهم منقسمون على مسودة مشروع إنهاء الاحتلال التي قدمت لمجلس الأمن الدولي.

طبول الحرب تقرع بين السودان وجارته الجنوبية، والحوار الوطني في كلا البلدين يواجه عقبات كبيرة. وفي العلاقات البينية العربية يظل الثابت خلافات مستدامة ومصالحات طارئة.

تونس شكلَّت استثناء بإنجاز المرحلة الانتقالية بعملية ديمقراطية سلسلة، إلا أن الوصول إلى بر السلام دونه امتحان صعب للديمقراطية التونسية في تجسيدها العملي.

وتبقى الآمال معلقة على العام القادم، بأن تأخذ الأزمات، في سورية والعراق وليبيا واليمن والسودان ولبنان والبحرين طريقها للتسوية بحلول سياسية، وأن يتم التغلب على نزعات التطرف والتحريض والحقن الطائفي المذهبي، وأن ينتهي الاستفراد الأميركي بملف التسوية في الشرق الأوسط، حتى تنال الشعوب العربية حقها في بناء مستقبلها، وينال الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة والمشروعة، وينعم كل أبناء المنطقة وشعوب العالم بالعيش في أمن وسلام.

 

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

  •  
    والمشاركة في
 
البريد الإلكتروني