08:05 GMT27 أكتوبر/ تشرين الأول 2021
مباشر
    مجتمع
    انسخ الرابط
    0 10
    تابعنا عبر

    في كل عام، يضع نحو 700 ألف شخص نهاية لحياته بطريقة مختلفة حول العالم، من خلال الإقدام على الانتحار، فيما ينجو الآلاف في الدقائق أو اللحظات الأخيرة.

    الناجون من الانتحار ليسوا كمن يفكرون فيه، إذ يكشفون العديد من الجوانب التي قد لا يدركها من يفكر في الانتحار، وبالطبع لا يمكن اكتشافها بعد رحيل أي شخص انتحر، إذ يصبح الشخص الناجي من الانتحار هو الأقدر على المقارنة بين الدوافع التي دفعته للانتحار وما ترتب على النجاة فيما بعد، خاصة النماذج التي تمكنت من تجاوز الأزمة وعدم التفكير فيها مرة أخرى.

    أرقام حول العالم

    وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن 703 ألف شخص يضعون نهاية لحياتهم، وأن كل حالة انتحار تخلف مأساة تؤثر على الأسر والمجتمعات والبلدان بأكملها وتترتب عنها آثار طويلة الأمد على ذوي الشخص المنتحر.

    وفي عام 2019، صُنف الانتحار رابع أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي.

    أكثر من 79 في المئة من حالات الانتحار العالمية في عام 2019 حدثت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، بحسب منظمة الصحة العالمية.

    انتحار فتاة "سيتي ستارز"

    في مصر وفي تونس وبلدان أخرى وقعت خلال الأيام الماضية العديد من حالات الانتحار، الأمر الذي أثار ردود فعل متباينة، ما بين اعتبار المنتحر ضحية أو أنه شخص سلبي أو اعتبار الأسرة أو المجتمع السبب في ذلك، غير أن أطباء علم النفس يذهبون لضرورة معالجة الأمر بشكل مغاير وبشكل علمي.

    في مصر، قال والد "فتاة مول سيتي ستارز" في مصر (التي انتحرت يوم 15 سبتمبر/ أيلول 2021) أمام جهات التحقيق إن ابنته انتحرت بإلقاء نفسها من الطابق السادس بسبب معاناتها من حالة نفسية سيئة.

    وأوضح أنه قام بمنع ابنته من الخروج بشكل مستمر مع أصدقائها، موضحا أنه كان يطلب منها عدم الخروج من المنزل بشكل يومي، وأنها كانت تتشاجر معه بسبب التضييق عليها وتقول له: "أنا بخرج مع صاحباتي البنات وزملائي في الكلية"، فكان الأب يوافق تارة ويرفض تارة أخرى.

    بوعزيزي جديد في تونس

    وفي تونس، قضى رجل يبلغ من العمر 35 عاما، متأثرا بحروق خطيرة أصيب بها، بعدما التهمت النار جسده في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، وذلك احتجاجا على الأوضاع المعيشية في 11 سبتمبر الجاري.

    الحديث عن الانتحار ودوافعه وآلية علاجه ليس بالجديد، فهو من المآسي التي تحدث بشكل يومي، لكن الحديث مع الناجين من الانتحار قد يكون بمثابة خطوة لفهم الكثير من الأشياء خاصة بشأن نظرتهم للحياة بعد النجاة، وكيف ندموا على هذه الخطوة، خاصة أن بعض الحالات استطاعت أن تحول الشعور السلبي إلى طاقة دفعتهم نحو النجاح وتحقيق الذات في مجالاتهم.

    ناجيات من الانتحار

    تقول هبة علي، وهي جامعية مصرية، إن "الكثير من الضغوط العاطفية المتراكمة نتيجة علاقة انتهت إلا أن الطرف الآخر كان يرفض إنهاء العلاقة ويمارس العديد من الضغوطات دفعتها للتفكير في الخطوة في سن 19 سنة، ونجت قبل دقائق من مفارقة الحياة".

    وتضيف في حديثها لـ"سبوتنيك"، أن "الفكرة لم تأت نتيجة قرار مفاجىء بل أنها نتيجة تراكمات عدة، خاصة أنها دائمة التفكير في الأمر، وترى أنها كانت تظن أن الألم الجسدي قد يخفف من الألم النفسي، وأنها عملية هروب من الواقع، خاصة أنها تكن تجيد الحديث مع أي من حولها".

    وأوضحت أن "فقدان الأمان أو الاهتمام وكذلك تراكم الضغوط هي التي تدفع الشخص لمثل هذه الخطوة، إلا أن الوعي النفسي قد يساعد الشخص نفسه في عدم الوصول إلى الانتحار".

    وترى هبة علي أن "التجربة التي خاضتها دفعتها إلى ضرورة الوعي والاعتماد على الذات واتخاذ الخطوة الإيجابية بشأن الذهاب للطبيب النفسي، أو ممارسة الأشياء التي تحسن من حالتها النفسية، خاصة أنها كانت دائمة التفكير في الانتحار".

    وشددت على نقطة هامة، هي أن "الشخص الذي يقدم على الانتحار قد لا يكون يريد إنهاء حياته ويريد النجاة من المحاولة، إلا أنه يعول على تغيير نمط معاملة من حوله بعد هذه المحاولة، وأن يحظى باهتمام أكبر من المحيطين به".

    وختمت قولها بأن "الإحساس الذي قد يقود الإنسان للانتحار، هو نفسه الذي يمكن أن يقوده للنجاح إذا قرر الإنسان إثبات ذاته والنجاح في مجال العمل أو أي هواية حيث يعطيها كل الوقت لتعويض الشعور السلبي في حياته".

    سندس محمد، ثلاثينية تونسية، وتعمل بإحدى شركات الاتصالات، تقول إنها "نجت من محاولة انتحار أقدمت عليها بسبب ضغوط متعددة، حيث تناولت كمية كبيرة دواء الاكتئاب ما أدى إلى دخولها في غيبوبة ونقلت على إثرها للمستشفى".

    وتابعت أنه "رغم محاولتها السابقة، إلا أنها أدركت حبها للحياة بعد النجاة، وقررت عدم العودة لمثل هذه المحاولة مرة أخرى". 

    وتشير في حديثها لـ"سبوتنيك"، إلى أنها "قررت أن تخرج من الحالة السيئة التي عاشتها لفترة طويلة، وأن ما ساعدها على ذلك هو الذهاب لعيادة الطبيب النفسي، حيث تمكنت اعتياد ممارسة اليوغا ضمن جلسات العلاج النفسي، الأمر الذي ساهم نسبيا في خروجها من الحالة الأولى، من ثم اتبعت العلاج بـ"السفرولوجيا" أو التأمل الديناميكي، وهو ممارسة بعض الاستراتيجيات التي تعمل على طرد المخاوف والمشاعر السلبية، وإحلال أخرى متفائلة إيجابية مكانها".

    وتوضح أن "إقدامها على الانتحار كان بهدف الهروب من الواقع والضغط والألم، والخلاص من كل هذه المؤثرات التي لا تحتملها، إلا أنه بعد نجاتها ومباشرة العلاج مع الأطباء النفسيين تأكدت أن مجرد التفكير في هذا الأمر هو تصرف خاطئ لا يجب التمادي فيه، وأن الذهاب إلى الطبيب النفسي أو البوح للمقربين من الشخص أفضل من الانغلاق على الذات والتفكير في الهروب بإنهاء الحياة".

    الطب النفسي

     من ناحيتها، قالت روعة الحفني، وهي اختصاصية نفسية، إن "دوافع الانتحار متعددة وليست هناك ثابتة يمكن القياس عليها، إلا أن الأمر عادة يرتبط بفكرة الخلاص أو الهروب من الألم النفسي أو الجسدي أو الحمل الذي لا يستطيع الشخص تحمله، وكذلك الضغوط الحياتية أو الاجتماعية أو الأمراض النفسية أيضا".

    وأوضحت أن

    "أسباب الانتحار لا تقتصر على الدخول في حالات اكتئاب، وإنما في بعض الأحيان تكون الأمراض النفسية، منها الفصام أو نوبات الهوس تقود لنفس الفكرة، كما أن الضغوط الحياتية أيضا يمكن أن تدفع للانتحار، حين يجد الشخص نفسه غير قادر على مواجهة هذه الضغوط، إضافة إلى المشاكل الاجتماعية التي تتعقد إلى درجة كبيرة، خاصة في المجتمعات أو الأسر التي ليس لديها الوعي الكامل بالجوانب النفسية".

    عوامل مهمة

    وأضافت روعة الحفني في حديثها لـ"سبوتنيك"، أن "إدخال بعض المتغيرات على حالة الشخص الذي يفكر في الانتحار مثل الاهتمام به أو العناية به بشكل أكبر، أو النظر في ما يحتاج إليه حتى ولو كان مجرد السماع له أو أي شيء آخر، قد يصرفه عن الفكرة ويحسن من حالته النفسية، وهو ما يستدعى الاهتمام بحالة الوعي النفسي، وعدم تجاهل ضرورة المتابعة والذهاب للطبيب حال استدعى الأمر أو احتواء الأمر إذا كانت الأمور ممكنة من خلال المحيطين بالشخص".

     قياس الفكرة

    وترى أن "الأشخاص المدمنين والذين لديهم أفكار انتحارية هم أكثر عرضة للانتحار، وهو يتطلب المتابعة وقياس الفكرة بدرجة جيدة لتحديد آلية التعامل معهم".

    وأوضحت أن "قياس الفكرة يكون من خلال معرفة كيفية تصرف الشخص وعدد المرات التي قرر فيها أو راودته الفكرة، وكذلك الطرق التي فكر أنه من خلالها يمكنه الانتحار".

    سن المراهقة

    وشددت روعة الحفني على أن "سن المراهقة يستوجب التعامل معه بحذر، خاصة أن مجرد طرحه للفكرة أو الحديث عنه يجب أن يكون التعامل على محمل الجد، كون هذه السن يمكنه اتخاذ القرارات بسرعة وفي أي لحظة".

    ونوهت إلى "أنه من الاعتقادات الخاطئة أن الحديث مع المراهقين عن الانتحار يمكنه زرع الفكرة في عقولهم إن لم تكن موجودة، في حين أنه يمكن أن يطمئنهم ويشعرهم بمدى تفهم ما يشعرون به ويمنحهم الأمان".

    إشارات الخطر

    وأشارت إلى أن "هناك بعض الإشارات قد يقوم بها بعض الأشخاص قبل الإقدام على الفعل، حيث يمكن أن يقوم بسداد ديونه أو ترك رسائل للأهل والأصدقاء، أو تصفية الخلافات أو طلب السماح والعفو من المحيطين به، أو الالتزام دينيا والتغير الكبير في نمط الحياة، وهي إشارات يجب الالتفات إليها من المحيطين، كما أن بعض الإشارات أيضا يكمن في إلحاق الأذى الجسدي بنفسه من خلال إحداث جروح بنفسه، أيضا القراءة الكثيرة في قصص الانتحار والعزلة وتأثر العلاقات الأثرية تعد من الإشارات"، بحسب قولها.

    عيادات الطبيب النفسي والحلال والحرام

    نقطة هامة أخرى في آلية التعامل، حيث توضح روعة الحفني، أنه "لا يجب التعامل مع الشخص الذي يفكر في الانتحار من باب الحلال والحرام، لأنه قد يكون وصل إلى نقطة في هذا الجانب لا يستوعب أو لا يدرك ولا يحب الخوض معه في هذه النقاط وتصبح دون جدوى، في حين أنه يجب البحث عن الطرق الأقرب للتعامل معه من الناحية الإنسانية أو معرفة احتياجاته والأسباب التي دفعته لهذه الخطوة، الأمر الذي سيتيح معرفة الطريقة الأنسب للتعامل مع الشخص، خاصة أن الأمر يتطلب العمل ليس على صرفه عن العودة للتفكير في الأمر مستقبلا، وهو يتطلب الكثير من الوجد والجهد واتباع الأسس الصحيحة".

    "التعامل مع عيادة الطبيب النفسي هو ما يتجنبه البعض في العديد من الدول العربية رغم محاولات التوعية المختلفة"، وهو ما تشير له الحفني، بأن "تعامل المجتمع مع المرض النفسي على أنه وصمة عار يعد ضمن الأسباب التي تدفع للانتحار، وأنه يجب التعامل مع المرض النفسي مثل أي مرض عضوي يستوجب الذهاب للطبيب والمتابعة حتى الشفاء".

    واستطردت بقولها إن "الشخص الذي لديه محاولات سابقة أو أفكار واضحة بشأن الانتحار، أو إن كانت هناك حالات مماثلة في العائلة فإنه يزيد من محاولة الانتحار".

    التعامل مع الناجين

    وختمت الحفني قولها بأن

    "تقديم الدعم النفسي للناجين من الانتحار من الأولويات التي لا غنى عنها، وكذلك المتابعة مع الطبيب النفسي، وتعلم محارات حياتية، وأنه باختلاف الحالة يمكن تقديم الدعم النفسي المناسب لها، أو المهارات، وكذلك آلية العلاج التي يراها الطبيب".

    ضعف البيانات

    على الصعيد العالمي، هنالك ضعف في البيانات المتاحة عن الانتحار ومحاولات الانتحار وفي نوعية هذه البيانات.

    فهناك نحو 80 دولة عضوا فقط لديها بيانات جيدة عن تسجيل الأحوال المدنية يمكن استخدامها مباشرة لتقدير معدلات الانتحار. ولا تقتصر مشكلة ضعف البيانات حول الوفيات على الانتحار، ولكن نظرا لحساسية الانتحار – وعدم شرعية السلوك الانتحاري في بعض البلدان - من المرجح أن تكون مشكلة ضعف الإبلاغ وسوء التصنيف مطروحة بحدة أكبر فيما يتعلق بالانتحار مقارنة مع سائر أسباب الوفيات الأخرى، بحسب منظمة الصحة العالمية.

    ** ملاحظة: أسماء الأشخاص تم تغييرها بناء على طلب الحالات

    انظر أيضا:

    مقتل 3 وإصابة أكثر من 20 بتفجير انتحاري في باكستان
    وزير الدفاع البريطاني: محاولات انتحار بين قدامى المحاربين بسبب الانسحاب من أفغانستان
    وزارة الدفاع البريطانية: ليس لدينا حالات انتحار ووزيرنا أخطأ
    20 دولة لا تزال تعاقب على الانتحار بالسجن والغرامة... وخبراء: يأتي بنتيجة عكسية
    الداخلية العراقية تحذر من تزايد حالات الانتحار
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook