09:27 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
مباشر
    سعد الحريري

    حكومة الحريري تهتز على وقع غضب الشارع اللبناني

    © REUTERS / AZIZ TAHER
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 0 0
    تابعنا عبر

    مع انقضاء النصف الأول من مهلة الساعات الاثنتين والسبعين التي حددها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري للقوى السياسية للاتفاق على خطة للإصلاح الاقتصادي، يزداد المشهد في لبنان تعقيداً، في ظل استمرار التحركات الاحتجاجية على السياسات الاقتصادية، وتعرّض الحكومة لأولى الاهتزازات من داخلها، بعد استقالة أربعة من وزرائها.

    وبات آلاف المتظاهرين ليلهم في شوارع بيروت وباقي المناطق اللبنانية، بعدما احتشد مئات الآلاف في الساحات والشوارع على امتداد البلاد، في أضخم تحرّك شعبي على خلفية تردّي الأوضاع الاقتصادية.

    وفي وسط بيروت، بؤرة الاحتجاجات، تواصل تدفق المتظاهرين إلى ساحتي رياض الصلح والشهداء، المجاورتين لمقري البرلمان والحكومة، طوال الليل، فيما قرر عدد من منهم المبيت في الشارع، استعداداً لليوم الرابع، الذي يتوقع أن يشهد مشاركة كبيرة من مختلف فئات الشعب اللبناني.

    ولم يرفع المتظاهرون سوى الأعلام اللبنانية في حراكهم الذي يقولون إنه "خارج أجندة الأحزاب"، بجانب الشعارات المنددة بالسياسات الاقتصادية والفساد المستشري في الدولة.

    ويبدو واضحاً أن الحراك الشعبي في لبنان قد تجاوز كل الأحزاب والقوى السياسية، وهو ما أمكن رصده من التنوّع الذي يميّزه لناحية الانتماءات السياسية والاجتماعية والطائفية للمتظاهرين، الذين يصرّون على أن احتجاجهم موجّه ضد "الطبقة السياسية" بأكملها.

    وقالت لِيا (25 عاماً) لـ"سبوتنيك": "نحن هنا لأننا فقدنا الثقة بالجميع، فالأحزاب وزعماء الطوائف تخلوا عن الشعب، وفقدوا الحد الأدنى من رصيدهم لدينا"، مضيفة "ما نراه اليوم هو صحوة شعبية هائلة بعد سنوات من التخدير تحت عناوين مختلفة بينها حقوق الطائفة ودور الزعيم".

    وتابعت هذه الشابة، التي تعمل في شركة خاصة "نحن نريد أن ترحل هذه الحكومة بكل من فيها، وأن يتولى أمر البلاد أشخاص بعيدين عن الفساد، وقادرين على أن يحاسبوا الفاسدين الذي حكمونا طوال السنوات الماضية، واستعادة أملاكنا المنهوبة".

    أما حسين (43 عاماً، سائق سيارة أجرة)، الذي جاء إلى وسط بيروت مع زوجته وولديه اللذين عصبا جبينهما بالعلم اللبناني، فقال لـ"سبوتنيك" إن "على كل اللبنانيين أن ينزلوا إلى الشارع لرفع الصوت أكثر فأكثر"، مضيفاً "لسنوات عديدة كنت قادراً على تأمين الحد الأدنى من المتطلبات الحياتية لعائلتي، وكنا نعيش طالبي السَتر، ولكنّ فجور أهل السلطة جعلني مضطراً للاستدانة لتأمين طعام أولادي".

    وتابع "هذه فرصتنا الأخيرة، فإما أن تتغيّر الحال، وإما فليحرق الشعب كله نفسه كما فعل البوعزيزي"، في إشارة إلى محمد البوعزيزي، بائع الخضر التونسي الذي أضرم النار في نفسه، مشعلاً شرارة الثورة ضد نظام زين العابدين بن علي، محذراً في الوقت ذاته من "خطورة ما يجري فوق (المشاورات التي يجريها رئيس الحكومة)، فأنا اشتم رائحة مؤامرة جديدة على الشعب من قبل هؤلاء الذين مصّوا دمنا وتقاسموه، ولا استثني أحداً منهم".

    يصعب في وسط بيروت تمييز الانتماءات السياسية للمتظاهرين، حيث يختلط اليساري باليميني، والمسلم بالمسيحي، حتى في الشعارات التي يرفعونها، والتي يندرج كلها في إطار الهم الاقتصادي-الاجتماعي المشترك.

    ومع ذلك، يمكن رسم خريطة معينة لطبيعة الشرائح الاجتماعية المشاركة، بين اليساريين والناشطين المنضوين في مجموعات المجتمع المدني، وبين ساكني المناطق الأكثر فقراً في بيروت كأحياء خندق الغميق وحي اللجى والضاحية الجنوبية، وبين المنتمين إلى الطبقة الوسطى وما دونها، علماً بأن هذه الفئة هي الأكثر مشاركة في التحركات.

    يقول الياس (30 عاماً، مندوب مبعيات) لـ"سبوتنيك" إن "ما يجري اليوم هو ثورة حقيقية. هذه المرة الأولى التي أشارك فيها في أيّة تظاهرة باستثناء تظاهرة أزمة النفايات" عام 2015.

    ويضيف "أهم ما في هذه الثورة أنها أظهرت الانقسام الحقيقي في لبنان، فهو ليس بين طائفة وأخرى، أو حزب وآخر، بل هو انقسام بين الشعب والطبقة السياسية".

    ومع ذلك، لا يخفي الياس خشيته من احتمال أن تنجح القوى السياسية في إفشال الحراك الشعبي في حال اتفقت في ما بينها، قائلاً "الله يستر، ولكن أيا يكن الأمر فما حدث يعني أن لا عودة إلى الوراء".

    وتبدو مخاوف الياس في محلّها، بالنظر إلى تجارب سابقة، أدت فيها التفاهمات بين القوى الشريكة في الحكم إلى إجهاض الحراكات الشعبية أو استنزافها".

    ومع ذلك، فإنّ الوضع يبدو مختلفاً هذه المرة، لا سيما مع بدء تفكك الحكومة اللبنانية، التي يرأسها سعد الحريري بعد مفاوضات شاقة حول تمثيل الكتل البرلمانية، خصوصاً بعد إعلان رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع استقالة وزرائه الأربعة.

    وتتألف الحكومة الحالية من 30 وزيراً موزعين على النحو التالي: "التيار الوطني الحر" (5 وزراء)، "تيار المستقبل" (5 وزراء)، حركة "أمل" (3 وزراء)، "حزب الله" (3 وزراء)، حزب "القوات اللبنانية" ( 4 وزراء)، الحزب التقدمي الاشتراكي (وزيران)، حزب "الطاشناق" (وزير)، تيار العزم ( وزير)، تيار المردة (وزير)، بجانب خمسة وزراء من حصة رئيس الجمهورية.

    ومع أن الحكومة في لبنان لا تسقط إلا باستقالة رئيسها أو أكثر من ثلث أعضائها، إلا أن احتمالات سقوطها تبقى قائمة في حال استمرت الأزمة القائمة في البلاد.

    ووفق المادة 69 من الدستور، فإنه في حالة استقالة عدد من الوزراء،  يمكن لرئيس الحكومة ورئيس الجمهورية الاجتماع وتعيين بدلاء مكانهم، مع الحفاظ على التوزيع الطائفي للحقائب.

    وقال جعجع في مؤتمر صحافي في ساعة متأخرة من ليل أمس إن "هذه الحكومة عاجزة عن إيجاد الحلول ومن هذا المنطلق قرر التكتل من وزراء القوات التقدم بإستقالة الحكومة"، مضيفاً أنه "عند مناقشة موازنة 2020 طالبنا بسلة إصلاحات فورية لكننا لم نلمس الجدية المطلوبة".

    وفي وقت يستمر الغليان في الشارع، تتجه الأنظار اليوم إلى اجتماع مرتقب لمجلس الوزراء لمناقشة الورقة الاقتصادية التي أعدّها سعد الحريري، والتي طلب من القوى السياسية القبول بها "قبل أن يكون هناك كلام آخر" بعد انتهاء مهلة الساعات الاثنتين والسبعين التي حددها في خطابه مساء الجمعة.

    ووفق ما تسرّب من مصادر حكومية، فإنّ الورقة الاقتصادية تتضمن إلغاء كل أنواع زيادات في الضرائب على القيمة المضافة والهاتف والخدمات العامة، وإلغاء كل الاقتراحات الخاصة باقتطاع جزء من تمويل سلسلة الرتب والرواتب، وإعادة العمل بالقروض السكنية.

    وتقول المصادر إن الخطة المقترحة تتضمن "تصفير العجز" في الموازنة من خلال مساهمة القطاع المصرفي في تمويل كلفة الدين العام، وزيادة الضريبة على أرباح المصارف، بجانب خصخصة بعض القطاعات العامة كالهاتف الخلوي، وتطبيق خطة الكهرباء.

    يأتي ذلك، في وقت لم تتضح التأثيرات الفعلية للأزمة القائمة على سعر صرف الليرة اللبنانية، مع الإعلان عن إقفال المصارف ليوم اضافي غداً.

    وقال مصدر مصرفي لـ"سبوتنيك" إن هذا الإجراء طبيعي بالنظر إلى الخشية من الانعكاسات السلبية في التعاملات المالية، وخشية تهافت المودعين على سحب ودائعهم، علاوة على أن وقف التعاملات في سوق القطع هو إجراء ضروري لمنع أّيّ انهيار كبير في سعر صرف الليرة اللبنانية.

    وكان سعر الدولار سجّل خلال اليومين الماضيين ارتفاعاً كبيراً في السوق السوداء، من 1510 ليرات (السعر الرسمي) إلى ما بين 1600 و1800 ليرة عند بعض الصيارفة.

    الكلمات الدلالية:
    لبنان
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik