17:27 15 ديسمبر/ كانون الأول 2018
مباشر
    طالب في مكتبة

    روسيا والعرب...قصة تلاقي الفكر والأدب

    © Fotolia / Anyaberkut
    ثقافة
    انسخ الرابط
    0 20

    لم يحل التباعد الجغرافي بين روسيا في الشمال الأقَصى وبين العرب في شرق المتوسط وجنوبه من التقارب الإنساني والفكري والأدبي بداية من أواخر الألف الميلادية الأولى حتى تبعته باقي مجالات التلاقي والتبادل في مختلف الميادين في عصرنا الحالي.

    سبوتنيك. مقدمات وحقائق تاريخية

    يعود أول تواصل موثق بين الروس والعرب إلى العام 921 م، حيث تذكر المصادر التاريخيّة رحلة (ابن فضلان) الرحالة العربي الشهير إلى روسيا، وما كتبه عنها من وصف للحياة في أرض لم يعرفها العرب إلا في مخيلة غامضة جنوح بعيدة عن الموضوعية والحقيقة، لتكون هذه الرحلة هي اللقاء الأوّل (الموثق) بين الشعبين ونافذة أولى عرف من خلالها العرب في بلاد الدفء والشمس ذاك الشعب الذي يسكن بلاد الثلج والجليد. في المقابل تعود أقدم الآثار المخطوطة باللغة الروسية إلى وصف أولى رحلات الروس وزياراتهم إلى المشرق العربي.

    في كتابها "مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي" تتحدّث الكاتبة الدكتورة مكارم الغامدي عن بداية الاحتكاك الروسي بالثقافة العربية.

    في عهد بطرس الأول (العظيم) وتحديداً أوائل القرن الثامن عشر، تأسست أول مطبعة بالحروف العربية على يد " أنتيوخ كانتمير" (1708-1744) أشهر المفكرين والدبلوماسيين الروس —ذي الأصول المولدافية- في ذلك العصر. في تلك الفترة أخذت ترجمة القرآن إلى الروسيّة مكانتها في الأوساط الثقافية الروسيّة وبدأت معها موجة التأثر الروسي المباشر بالثقافة الإسلامية.

    يذكر الباحثون أن أول ترجمة للقرآن ظهرت في العام 1716م في عهد بطرس الأول وترجمها " بطرس بوسنيكوف " نقلاً عن الترجمة الفرنسية التي صدرت العام 1647م.

    رغم ظهور ترجمات أخرى وفي فترات زمنية متقاربة، إلا أنَّ أول ترجمة أكاديمية علمية للقرآن من العربية إلى الروسية مباشرة قدّمها المستشرق الرّوسي "إغناطيوس كراتشكوفسكي" (1883-1951) التي لم تنشر إلا بعد وفاته وتحديداً العام 1963م.

    أمير شعراء روسيا يحاكي القرآن

    قلّةٌ من العرب من غير المتخصصين والمهتمين بالأدب عموماً والأدب الروسي خصوصاً  تعرِف أن ألكسندر بوشكين (1799-1837)  "بداية البدايات في الأدب الروسي" قد تأثَّرَ عميقاً بالثقافتين العربية والإسلامية وتحديداً القرآن الكريم وجاءت قصيدتاه "محاكاة القرآن" 1824 و "الرسول" 1826 ترجمةً صادقة لاهتمامه بكل ما يختص بالشرق، فقد سحرته ليالي ألف ليلة وليلة وسلبت روحه القصائد الشرقية التي كتبها اللورد بايرون.

    يورِد الأديب السّوري مالك صقّور في كتابه (بوشكين والقرآن) رسالةً كانَ اطّلع عليها أثناء دراسته المعمّقة لأدب بوشكين، في الرسالة يقول بوشكين لصديقه الأمير فياز مسكي التالي: "مقترحاتُك بما يتعلّق بمرثياتي، أمر لا يتحقق، وبالمناسبة كنت مضطراً للهروب من مكة إلى المدينة، وقرآني تخاطفته الأيدي".

    يلفت صقّور نظرنا إلى تشبيه بوشكين نفسه بالنبي محمد، وتشبيه نفيه من بلدة أوديسا في الجنوب الروسي إلى ميخايلوفسكي في الشمال بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة.

    في "محاكاة القرآن" يقدِم بوشكين تسع قصائد استلهمها من القرآن مباشرةً، ففي دراسة للباحث الدكتور ممدوح أبو لوي "مؤثرات الأدب العربي في أدب بوشكين" يشير أنَّ بوشكين استلهم القصيدة الخامسة من سورة لقمان والسادسة من سورة الفتح والتاسعة من سورة البقرة، وفي القصيدة الثانية أعلى بوشكين من قيمة العفة وحشمة المرأة في القرآن، مستنداً إلى سورة الأحزاب والنصح بعدم الاتجاه إلى التبرج.

    وفي إحدى قصائده ذكر بوشكين مدناً ومناطق عربية لم يزرها قط، يقول:

    "حدّثني يا غصن فلسطين

    في أيِّ مكان نَمَوتَ وأزهرت؟

    وأيُّ ربواتٍ ووهادٍ ازدانت بِكْ؟

    هل لاطفَتكَ أشِّعة الشّرق قرب مياه الأردن الصافية؟"

    ليرمونتوف على خطى بوشكين

    لم يقتصر التشابه بين بوشكين وليرمونتوف على الرهافة الشعرية والموت المبكر، بل تعداه إلى التأثر بالإسلام ورسوله؟

    ميخائيل ليرمونتوف (1814-1841) ثاني أعظم الشعراء الروس بعد بوشكين، تأثّر بالإسلام ورسوله وذلك من خلال اتّصاله بالمسلمين في القوقاز حيث كان يرتحل إلى تلك المناطق للاستشفاء وهناك تعرَّف إلى الأعياد والمناسبات والثقافة الإسلامية.

    نتاج ليرمونتوف المتأثر بالإسلام ظهر في قصائد عديدة منها "فاليريك" و"الرسول" و "هبات التركي" وفيها يبجل ليرمونتوف القرآن حين قال:

    (آيةٌ مقدّسة من القرآن… مخطوطةٌ بالذّهب)

    ليرمونتوف الذي عاش في قرابة روحية مع الإسلام عبّر خلال إحدى رسائله إلى صديقه كرايفسكي أنه يرغب في السفر إلى مكة موطن الرسول ومهد الإسلام، فقد وجد في القرآن قيماً عالمية وجماليات أخلاقية والمثال الثوري الذي يبحث عنه في شخص الرسول العربي محمد.

    إنسان تولستوي وحكمة محمد النبي

    أعظم الأدباء الروس في كل الأزمان.. الإنسان.. الفيلسوف.. الروائي والقاص ليف تولستوي (1828 —1910)، الأرستقراطي الذي رفضَ حياة الترف والثراء والمتّجه نحو الزهد والوعظ الإنساني الأخلاقي وجد ضالته في شخص الرسول العربي محمد، لذلك خصّه بأحد أهم كتبه والمعنوَن (حكم النبي محمد) والذي يقول فيه:

    " مما لاريب فيه أن النبي محمداً من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه فخراً أنه هدى أمته برمتها الى نور الحق، وجعلها تجنح نحو السكينة والسلام وتفضل عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام".

    إن المجموعة الكاملة لمؤلفات تولستوي تحوي حوالي 40 كتاباً يخص التراث العربي، منها ما يتضمن عدداً من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة وما تحوية من الحكم والأمثال.

    وفي أحاديث الرسول وجد تولستوي انعكاس آرائه ومبادئه حتى أنه أصدر كتابه (أحاديث مأثورة لمحمد) احتوى مجموعةً من الأحاديث النبوية التي اختارها وترجمها وقدّم لها تولستوي نفسه.

    ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

    إنّما النساء شقائق الرجال

    قل الحق وإن كان مرّاً

    تشير الدكتورة حنان الغمري في كتابها " مؤثرات عربيه واسلاميه في الأدب الروسي " تولستوي اختارَ أحاديث تحمل الجماليات الأخلاقيّة في الإسلامية، كالعدل والعمل والسماحة والعفة. وتضيف د. حنان أن تولستوي كان قلبا فياضا بالتسامح كما يظهر في مراسلاته مع الإمام المصري المجدد (محمد عبده)، حيث كتب في إحدى رسائله:

    "إننا نعبد ديناً واحداً ملخّصه الإيمان بالله وقانونه وحب الأقربين، وأن تتمنى للآخرين ما تتمنى أن يصنعونه لأجلك. إنني أخال أن كل المبادئ الدينية الصادقة تنبع من هنا".

    خاتمة

    الكثير من العرب العائدين من روسيا إما من دراسه أو عمل عادوا إلى أوطانهم مع العديد من الكتب والروايات والدواوين الروسيّة المترجمة إلى العربية.

    هذه الكتب وغيرها بالطبع في زمن التواصل المعلوماتي كانت وستكون جسراً للجيل العربي الجديد لمتابعة الإرث الفكري والمعرفي والإنساني الرّوسي العظيم.

    ملحق

    أهم من ترجم الأدب الرّوسي إلى العربية:

    • غائب طعمه فرمان، روائي عراقي (بغداد 1927- موسكو 1990)

    اعمال تورجنيف في خمسة مجلدات

    القوزاق لتوليستوي

    مجموعة قصص لدستويفسكي

    مجموعة قصص لغوركي

    المعلم الأول لإيتماتوف

    مجموعة أعمال بوشكين

    • سامي الدروبي، دبلوماسي وأديب ومترجم سوري (1921-1976)

    يعتبر من أفضل الذين ترجموا الأدب الروسي إلى العربية

    وقائع مدينة ترافنك، تأليف: إيفو آندريتش، ترجمة: سامي الدروبي.

    جسر على نهر درينا، تأليف: إيفو آندريتش، ترجمة: سامي الدروبي.

    بطل من هذا الزمان، تأليف: ميخائيل ليرمنتوف، ترجمة: سامي الدروبي.

    لحن كرويتزر، تأليف: ليو تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.

    الأعمال الأدبية الكاملة (18 مجلداً.، تأليف: دوستويفسكي، ترجمة: سامي الدروبي.

    الطفولة — المراهقة — الشباب (الأعمال الأدبية الكاملة) مجلد1.، تأليف: ليو تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.

    أقاصيص سيباستوبول وغيرها(الأعمال الأدبية الكاملة) مجلد2.، تأليف: ليو تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.

    القوزاق وقصص أخرى (الأعمال الأدبية الكاملة) مجلد3.، تأليف: ليو تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.

    الحرب والسلم (الأعمال الأدبية الكاملة) مجلد4.، تأليف: ليو تولستوي، ترجمة: صياح الجهيم، سامي الدروبي.

    ابنة الضابط، تأليف: الكسندر بوشكين، ترجمة: سامي الدروبي.

    انظر أيضا:

    "آفاز" تطلق حملة لمطالبة القادة العرب باتخاذ موقف ضد "ترامب"
    نجوم الفن العرب يحضرون العرض الأول لحرب النجوم في مهرجان دبي السينمائي
    بالصور...تعرف على أثرى أثرياء العرب
    الكلمات الدلالية:
    الثقافة العربية, كاتب روسي, أخبار الأدب, العرب, تاريخ, تواصل, القرآن الكريم, النبي محمد, ألكسندر بوشكين, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik