Widgets Magazine
14:21 23 يوليو/ تموز 2019
مباشر
    روسيا الولايات المتحدة

    "أفول الدولار" الحرب العميقة بين موسكو وواشنطن

    © REUTERS / Maxim Shemetov
    تعليقات
    انسخ الرابط
    نواف إبراهيم
    120

    تلعب السياسات الاقتصادية دورا كبيرا في إضعاف العملة الوطنية أو رفع قيمتها سواء أكانت في ظروف السلم أو الحرب.

    ولكن في ظل الحرب تكون أصعب وأقسى ولايمكن تخطي تعويم العملة الوطنية إلا من خلال إتخاذ إجراءات جذرية جريئة للحؤول دون انهيار العملة الوطنية وتكديسها في المصارف والبنوك في ظل الحصار الاقتصادي وغياب خطوات حكومية جريئة يمكن أن نصفها بالمغامرة في ظل التخوف من قبل رجال الأعمال والمستثمرين الداخليين والخارجيين من طرح أموالهم في السوق والمشاريع المختلفة.

    سوريا مثال على ذلك حيث تعيش منذ فترة طويلة في ظل حصار اقتصادي خانق جداً أوصل البلاد إلى حالة شبه مشلولة في مراحل مختلفة منذ بداية الحرب عليها عام 2011 وخاصة في الفترة الأخيرة بعد تجديد وتشديد العقوبات عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الذين جعلوا من الدولار وسيلة التحكم بالعالم ومصيره المالي والاقتصادي.

    سيطرة الدولار بدأت منذ عام 1974 وتأطرت أكثر واتسعت في تسعينيات القرن الماضي تحديداً  بين أعوام 1990 وحتى 1995 وحتى اللحظة، وفي تلك الأيام كانت الولايات المتحدة تمر في أسوأ أزمة اقتصادية مالية في كل تاريخها حيث وصلت الديون الأمريكية إلى مايزيد عن 4 تريليون دولار، وكان أكبر دين لدولة في العالم في تلك الحقبة.

    ومن هنا كانت الولايات المتحدة لابد لها أن تستغل ظروف انهيار الاتحاد السوفييتي خاصة بعد أن استنفذت قدراتها المالية في الحرب الباردة لتفتيت الاتحاد السوفييتي والحلف الشرقي كما سمي آنذاك بشكل شبه كامل، وحينها انتقلت الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة الإنتاج أو الاقتصاد الإنتاجي إلى سياسة الاقتصاد المالي يعني السيطرة على رؤوس الأموال والثروات في العالم من خلال جعل الدولار العملة الأساسية للتداول في العالم، وبالتوازي لدعم هذه الخطة قامت الولايات المتحدة بسلسلة حروب لم تبدأ أصلاً من العراق ولم ولن تنتهي في سوريا أو غيرها بل انتشرت في كل زاوية من زوايا العالم من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية والبشرية والثروات النفطية والغازية وطرق الإمداد والنقل للطاقة في أحد أهم مناطق العالم اقتصادياً، وأشعلت الحروب لتوسيع سوق بيع السلاح ليكون نتاج بيع الأسلحة داعماً إضافياً لما تخطط له من أجل السيطرة والتحكم بحركة الأموال والتجارة في هذا الجزء من العالم ليتمدد فيما بعد كما شهدنا إلى معظم دول الإقليم ويصل إلى روسيا والصين والهند كون هذه الدول تمثل رأس حربة المواجهات الإقتصادية لسياسة السيطرة للولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين الذين نالوا حصتهم من سوء تفرد السياسات الاقتصادية الأمريكية بالتحكم بالأموال في العالم.

    السياسات الاقتصادية للولايات المتحدة كان هدفها الأساسي إضعاف العملات المحلية في الدول المستهدفة، وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الطلب على العملة العالمية التي تتحكم بالموازين التجارية وهي الدولار الذي لم يستطع اليورو الأوروبي أن يتجاوزه أو حتى ينافسه كي يحقق استقلالية جزئية عن الدولار ويخرج من تحت رحمته على الأقل فيما يحفظ السيادة والاستقلالية الاقتصادية والتجارية لهذه الدول التي أرادت أن تحصل على حصتها من الكعكة الاقتصادية العالمية وفق معايير خاصة بها تضمن لها الثبات على الأقل في مراحل خطرة كاللتي يمر بها العالم حالياً.

    لذا شهدنا كيف أن الولايات المتحدة حتى تتجاوز هذا الأمر راحت تفتعل المضاربات وتنزل العقوبات بكل من ينافسها أو يمكن أن ينافسها مستقبلاً في السيطرة على الاقتصاد العالمي وفرضت الحصار لتحدث نقلة نوعية للدولار بسبب زيادة الطلب عليه في ظل تكديس العملات الوطنية لهذه الدول بسبب هروب رؤوس الأموال من السوق وغياب روح المغامرة من قبل القطاعات العامة والخاصة والمستثمرين في هذه الدول وبسسب جبن رأس المال في ظل مثل هذه الظروف وغياب سياسات نقدية حازمة في تلك الدول التي تقع تحت الحصار بالدولار، ولكن دول كبيرة وصغيرة إقليميا ودوليا استطاعت أن تحول الحصار إلى فرصة طبعاً بشكل نسبي فمثلاً لانستطيع مقارنة روسيا والصين بإيران وسوريا بسب الاختلاف في الكثير من العوامل المساعدة والضاغطة وبالطبع الوزن اللإقليمي والدولي سياسياً واقتصادياً بغض النظر عن المواقع الجيوإستراتيجية في هذا الإتجاه أو ذاك لهذه الدولة أو تلك، لكن بكافة الأحوال صمدت هذه الدول كل حسب حجمه ووزنه الجيواستراتييجي والاقتصادي ومايربط بينهما أو يتفرع عنهم.

    صحيح أن الولايات المتحدة تحكمت بالسوق العالمي بشكل كبير جداً خلال العقدين الأخيرين أو بالأحرى العقود الثلاثة الأخيرة لكن الآن بدأ الوضع يتغير بشكل كبير ويهدد سيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي ولم تعد تنفع معها خطط تسعينيات القرن الماضي في الترغيب والترهيب وفرض العقوبات والحصار على الدول وافتعال الحروب والخ في ظل صعود دول ومحاور وتكتلات دولية تلك القدرات اللازمة والكافية لتحقيق الاستقلالية الاقتصادية، وعت هذه الدول تماماً أن المواجهة مع الدولار لاتكفي وإنما لابد من اتخاذ خطوات إجرائية جريئة لمواجهة التغول الاقتصادي الأمريكي وبروز عصابات ومافيات الحروب المحليين والدوليين والذي تفوق النسبة البينية التي يحصلون عليها مابين 30 إلى 56 بالمائة من النهب والتلاعب بمصير اقتصادات دولهم ودول أخرى في ظل غياب إجراءات حكومية أحادية داخلية أوإقليمية ودولية مشتركة للمواجهة الصحيحة على الأقل لتحقيق الثبات في مرحلة بدء المواجهة، لكن إنقلبت الآية مع روسيا وسوريا وإيران والصين وغيرهم من الدول كون هذه الدول على اختلاف أحجامها وإمكاناتها الاقتصادية باتت في حلف مواجهة موحد فرضه الواقع الردىء الذي شكلته الولايات المتحدة بسياساتها الاقتصادية والإقصائية الرعناء، والحديث هنا يطول عن الأمثلة فشهدنا القروض الإئئتمانية التي قدمتها إيران لسوريا والتي كان لها دور كبير في تخفيف العبء على هيكلة الاقتصاد السوري المنهك والمحاصر دولياً وإقليمياً وكذلك الأمر ساعدت روسيا سوريا وإيران من خلال خطط توافقية ساعدت على الصمود، قادت روسيا هذه المواجهة في ظل ظروف صعبة من خلال فصلها الخلافات السياسية والعسكرية حتى عن الاقتصادية وأنشأت شبكة تحالفات في مجال الصناعة والتجارة والطاقة وعقدت في مجالات أخرى الكثير من الإتفاقات حتى مع أكثر الدول خلافاً معها ومنهم حلفاء الولايات المتحدة سواء مع تركيا أو دول الخليج من جهة ومع دول البريكس وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى وصولاً إلى الصين واليابان والهند وكوريا الشمالية من جهة ثانية وعملت على إعادة تشكيل التمحور الاقتصادي العالمي بشكل يقصي الولايات المتحدة ودول أوروبا بشكل شبه كامل عن التحكم بطرق ووسائط السيطرة على التجارة العالمية براً وبحراً وجواً دون أن يشكل خطراً عالمياً على الجميع بما فيهم الأضاد، وإتفاقات أو مشاريع الطاقة وطرق النقل ومشاريع طريق واحد حزام واحد وطريق الحرير جميعها تصب في هذا الإطار وهي حتى اللحظة تسير بشكل متسارع جداً، ضف على ذلك الإتفاقات التي تدار حول التعامل بالعملات الوطنية بين الدول وتفعيل الإتفاقات الاقتصادية الحكومية البينية وإنشاء بنوك مشتركة تنفصل عن التحكم الدولي بها وبتعاملاتها  بعيداً عن الولايات المتحدة ودول الغرب وبشكل شبه مستقل عنهم ،هذا يدعم ويفعل الدور الحكومي لكل دولة من هذه الدول ويدعم شبكتها الاقتصادية الحرة المنفصلة بشكل عام بما ينعكس على الجميع بالمنفعة والتحرر الاقتصادي إلى حد مقبول جداً يجعلها تتحكم بدعائم الشبكة الاقتصادية لها في الداخل.

     إذا ما تغاضينا عن التغير الكبير في التوزنان العسكرية وموازين الربح والخسارة لكل طرف في ميادين النزاع العسكري الناتج عن الصراع الاقتصادي يكون ما تم ذكره آنفاً هو الجزء الأهم من الانتصارات التي تحققها روسيا بتحالفاتها الإقليمية والدولية وهذا ماجعل الولايات المتحدة في حالة جنون هيستيري أجبر الرئيس ترامب ومن معه على تغيير مواقفه من التصعيد تجاه روسيا وايران والصين وغيرها من الدول والتعبير عن أهمية الوصول إلى الاستقرار الاستراتيجي في العالم وقمة الدول الكبار التي عقدت في أوساكا اليابانية لأول مرة وماقبلها وماقد يأتي بعدها  تكفي للإستشهاد بما سبق وتؤكد ذلك.

    ويشدد عليها ماجاء على لسان الرئيس فلاديمير بوتين على هامش قمة الدول ال 20 الكبار في أوساكا اليابانية حيث قال إن:"العمل بصيغة روسيا-الصين-الهند يجلب فوائد واضحة لحل المشكلات الدولية والإقليمية الحادة".

    وأضاف بوتين أن:"موقف روسيا والهند والصين حيال معظم القضايا الدولية متقارب ويتطابق ونعمل معًا من أجل الاستقرار الإستراتيجي".

    وخلال الاجتماع الثلاثي لهذه الدول أشار بوتين إلى: "العمل سويا يأتي بفوائد واضحة سواء من وجهة نظر تطوير أو تمتين العلاقات مباشرة بيننا، والمساهمة في حل المشكلات الدولية والإقليمية الحادة".

    الإستقرار الإستراتيجي، هذا المصطلح يشمل خطة فك النزاعات والصراعات بكافة أشكالها وعلى رأسها التجارية والاقتصادية والتي افتعلتها الولايات المتحدة ولكنها كانت أول الخاسرين فيها ويبقى الدولار العملة العالمية، لكن في مستقبل قريب قد لا يبقى سوى شاهداً من شواهد التاريخ والسيطرة الاقتصادية في مرحلة تاريخية كادت تودي بالعام إلى الهاوية ، لا روسيا ولاغيرها يريدون أن يدمروا الدولار أو يسقطوا الولايات المتحدة ولاغيرها.

    لكن المعادلات العالمية الجديدة ستجبر الولايات المتحدة على أن تعترف بأن هناك في العالم دول تستطيع عندما تريد أن تنهي الدولار بالضربة القاضية ولكن الجميع يعلم كارثية هذا الإجراء لذا يطالبون ويسعون إلى تحقيق أو تطبيق قواعد اقتصادية جديدة تحفظ للجميع حصصها وإستقلاليتها وحصانة عملتها الوطنية وهذه الإتفاقات لا تقل أهمية عن الإتفاقات والمعاهدات الصاروخية ولا حتى النووية القائمة، فالإقتصاد والمال هو عصب كل شيء في الحياة وانهياره هو انهيار محتم لأي دولة وهذا مالن يقبل به المحور الدولي الصاعد الذي أثبت للولايات المتحدة بأنه قادر على نسفها، ولكن في قاموس هذه الدول فإن السلام والأمن العالميين وتحقيق الإستقرار الإستراتيجي والتشاركية والإبتعاد عن التسلط والإقصاء للآخر والتفرد بالاقتصاد العالمي ومصائر الدول والشعوب بما يخدم مصلحة الجميع هو الحل الأمثل للحفاظ على ماتبقى من العالم الذي دمرته السياسات الأمريكية طوال العقود الماضية.

    ومن هنا وبالمحصلة العامة التي لاتصل بنا إلى نتيجة نهائية أو تقريبية حتى اللحظة، نرى أن نظام البترو دولار ونظام الهيمنة الأمريكية على التجارة الدولية يتآكل رويداً رويداً بعفل الإجراءات الروسية الصينية الجوابية المشتركة المحقة والمدروسة بدقة وفق القوانين والمعايير الدولية وليس على مبدأ التسلط والسيطرة كما تفعل واشنطن وحلفائها، ضف إلى  ذلك الإجراءات الإقتصادية لمنظمتي بريكس وشنغهاي وإلغاء التعامل بالدولار كعملة تجارة بينية،هذا الأمر سيضعف من هيمنة الولايات الأمريكية على التجارة الدولية حيث يهيمن الدولار على 80 بالمائة من التجارة الدولية التي لن يسمح بإستمرارها على مايبدو في المرحلة المقبلة وعلى المدى البعيد.

     في اللقاء الأخير للزعيم الصيني بينغ والرئيس الروسي بوتين إتفقا على إلغاء الدولار كعملة تجارة بينية،وقبلها كانت كما ذكرنا ناقشات وحوارات وإتفاقات مبدئية بهذا الشأن مع دول أخرى، وبالتالي نرى أن  الاجراءات الروسية الصينية ومعها الهندية كونها رأس محور أساس وكل منها على حدا تشكل رأس محور متفرع في محيطها الإقليمي والدولي الأقرب نرى أنه تظهر بوادر تشكل  بداية النهاية النهاية للنظام البترو دولار الذي يكرس الأحادية الأمريكية كقطب أوحد في العلاقات الدولية لنشهد بالتدريج وبشكل جلي أن العالم بدأ بالفعل يتغير بطريقة أسرع من الإستجابة لهذا التغيير.

     فهل تعي الولايات المتحدة خطورة المرحلة القادمة وكم يعتمد على برغماتيتها بقاء هذا العالم من فنائه…؟؟؟ أشهر قليلة قادمة قد تظهر بعضاً من ملامح المئوية القادمة..

    نواف ابراهيم 

    الكلمات الدلالية:
    واشنطن, موسكو, عملات, الدولار, حرب
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik