مراوغة تكتيكية أم مكاسب سياسية... ما دلالات دعم تركيا انضمام السويد وفنلندا للناتو؟

© AFP 2022 / MURAT CETIN MUHURDARتوقيع اتفاق الناتو بين تركيا وفنلندا والسويد
توقيع اتفاق الناتو بين تركيا وفنلندا والسويد - سبوتنيك عربي, 1920, 29.06.2022
تابعنا عبرTelegram
في خطوة وصفها المراقبون بـ "المفاجئة وغير المتوقعة"، وقعت تركيا والسويد وفنلندا، أمس الثلاثاء، مذكرة تفاهم ثلاثية بشأن عضوية البلدين الأخيرين في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بعد تعهد البلدين بتبديد مخاوف تركيا الأمنية وبالتعاون معها في مكافحة "الإرهاب".
المفاجئ في موقف تركيا، بحسب الخبراء، دعمها هذه الخطوة، رغم أنها سبق واتهمت السويد وفنلندا بدعم الإرهاب، وزعزعة استقرار أنقرة، بيد أن مذكرة التفاهم الموقعة ضمت بندًا يؤكد على توقف الدولتين باعتبارهما حليفين مستقبليين في الناتو عن دعم تنظيمي "بي واي دي/واي بي جي" وغولن، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، والتي تصنفها تركيا إرهابية.
ويرجح المراقبون إقدام تركيا على هذه الخطوة كمراوغة سياسية تكتيكية من أجل تحسين شروط تفاوضها مع روسيا في أي ملف قادم، وكذلك تحسين وضعها مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا، مؤكدين أنها حصلت على مكاسب جمة من وراء توقيع هذه المذكرة.
انعكاسات كارثية
اعتبر الدكتور أسامة دنورة، المحلل السياسي والاستراتيجي السوري، أنه رغم الادعاء الذي صدر عن حلف الناتو بعدم تقديم أي مقابل لتركيا مقابل انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو يبدو كلامًا مشكوكًا فيه، لأسباب عدة، منها أن الضرورة الملحة لدى الحلف لانضمام كل من البلدين، تعد ضرورة معنوية واستراتيجية تجعل من تركيا تطمع في أن تحصد ثمنًا قويا مقابل هذا التنازل.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، كل ما يقال عن تقديم السويد وفنلندا تعهداتها لتركيا لوقف دعم الجماعات الإرهابية من الممكن أن يكون جزءا من الصفقة، لكن الجزء الأكبر يتعلق بإيجاد نوع من مظلة الأمان الاقتصادية خلال الفترة المقبلة، وقد يكون هذا عن طريق استثمارات تضخ في أنقرة عبر حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تغيير الموقف الأمريكي تجاه أنقرة، وهو ما يعزز حظوظ أردوغان في الانتخابات القادمة.
وتابع: "إذا كانت التعهدات في هذا الإطار، سيكون هذا هو المقابل الأساسي الذي حصلت عليه تركيا في مقابل تمريرها لهذه الصفقة، وهو مقابل كبير جدًا؛ لأن الجميع يعرف أن الظروف الداخلية لتركيا على حافة الانفجار من الداخل خاصة فيما يتعلق بالظروف الاقتصادية، وإذا أمن الغرب هذه المظلة الاقتصادية لتجاوز أزمة التضخم والديون المتفاقمة وكل ما يتعلق بالتأزم الاقتصادي، يعني تسهيل له الطريق للفوز بالانتخابات".
صورة جماعية لقادة دول أعضاء الناتو في مدريد، إسبانيا 28 يونيو 2022 - سبوتنيك عربي, 1920, 29.06.2022
بيان قمة الناتو بمدريد: روسيا هي التهديد الأكثر أهمية والمباشر لأمن الحلفاء
وفيما يتعلق بانعكاسات هذه الخطوة دوليًا، أوضح أنها "عديدة وأهمها ما يتعلق بمقاربة مفهوم الإرهاب، فالمجتمع الدولي تتجاهل بسط تركيا لحمايتها الاستراتيجية على أكبر تنظيم إرهابي في العالم وهو (جبهة النصرة) في إدلب، ويقبل بأن تحركاتها ضد حزب العمال الكردستاني تعد مواجهة ضد الإرهاب، وهذا يعني وضوح ازدواجية المعايير الغربية أكثر من أي وقت مضى، وأن الدعم غير المباشر الذي يقدمه الغرب للحل الإرهابي بات أكثر تكريثًا على سطح المشهد السياسي"، على حد قول المحلل السياسي السوري.
ويرى دنورة أن انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو على المستوى الدولي يعد أمرًا خطيرًا، ويمكن إضافته إلى القرار الأخير المتعلق بفرض ليتوانيا بعض الحصار والتضييقات على جيب كالينينغراد الروسي على البطليق، وهو ما يعني شبه حصار، خاصة إذا رست سفن حلف الناتو في موانئ السويد وفنلندا وتواجدت قواته العسكرية هناك.
وأكد أن هذه الخطوات تهدد بالتصعيد وقد تتدحرج الأمور بين روسيا من جهة وحلف الأطلسي من جهة أخرى إلى تصعيد خطير على مستقبل العالم والبشرية، وهذا يكمل المشهد الذي قام به حلف الناتو سابقا من استفزاز لموسكو عبر محاولة ضم عدد من البلدان ولا يزال يسعى لضم بعضها، كما حدث مع أوكرانيا، فيستمر الناتو في سياسة التصعيد ومحاولة التضيق وحصار روسيا، في محاولة إيجاد شرخ نهائي وكبير في العلاقة ما بين أوروبا الغربية وموسكو.
توقيع اتفاق الناتو بين تركيا وفنلندا والسويد - سبوتنيك عربي, 1920, 29.06.2022
تركيا: طلبنا من فنلندا والسويد تسليم 33 "متشددا كرديا" بموجب اتفاق "الناتو"
الأمر لا يتعلق هنا بالصراع على أوروبا – والكلام لا يزال على لسان دنورة- بقدر ما يتعلق بصراع أمريكي موجه ضد روسيا وفي الباطن ضد أوروبا نفسها واستقلالية القرار الأوروبي وتماسك الاتحاد الأوروبي وإمكانية أن يشكل كتلة كبيرة على مستوى العالم والغرب.
وأضاف، فاليوم عندما نرى اقتراحًا برعاية بريطانية بتشكيل حلف ضمن الاتحاد الأوروبي يشمل دول البلطيق وأوكرانيا وبولونيا ويشمل بريطانيا بوصفها المندوب الأمريكي في أوروبا الذي يشرف على هذه الأحلاف عن قرب، يعني أن أمريكا وبريطانيا تخطوان خطوة جديدة نحو تقسيم أوروبا جيوسياسيا وجيوستراتيجيا، وإدخال بعض دول أوروبا في تحالفات عسكرية والإبقاء على البعض الآخر ضمن الناتو الذي أعيد تفعيله لكي يقضي على احتمال تشكيل أي قوى عسكرية أوروبية موحدة.
وأوضح المحلل السياسي والاستراتيجي السوري أن أمريكا في الأزمة الراهنة أعادت احتلال أوروبا الغربية عسكريا عن طريق نشاط حلف الناتو، وأعادت احتلالها اقتصاديا كما كان الأمر بعد مشروع "مارشال" حيث يمثل المصدر الأمريكي اليوم للطاقة البديل الذي يتحكم في الاقتصاد الأوروبي بعيدا عن النفط والغاز الروسي، وأعادت أمريكا أهميتها الكبرى عسكريا للاتحاد الأوروبي والتشبيك العسكري عن طريق الناتو مع دول الاتحاد، كما أعادت اعتماد أوروبا على التواصل الاقتصادي معها في قطاع الطاقة والاقتصاد، في مقابل قطع إمكانيات التواصل مع روسيا.
ويعتقد دنورة أن تصعيد هذه القطيعة قد تشمل الصين، وهو ما يبدو من الأجواء السابقة لاجتماع الناتو القادم، بأن هناك تصعيدًا في اللهجة والإجراءات والعقيدة الاستراتيجية للحلف تجاه الصين، وهو ما يشير إلى أن هناك أجواءً من التأزم برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية، تهدف لإعادة تقسيم العالم وإعادة شبح الحرب الباردة وربما دفع الأمور لمنزلق قد لا يحمد عقباه يتمثل في اندلاع المواجهة المباشرة ما بين الناتو وروسيا وقد تدخل فيه الصين للدخول في حرب عالمية ثالثة.
الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، خلال اجتماع روسيا والناتو في بروكسل، بلجيكا 12 يناير 2022 - سبوتنيك عربي, 1920, 29.06.2022
ستولتنبرغ: المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف يعتبر الصين تحديا لأمن وقيم "الناتو"
مكاسب سياسية
بدوره، اعتبر الدكتور مختار غباشي، المحلل السياسي المصري، ونائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الخطوة التركية بدعم انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو، لها أغراض خاصة، لا سيما وأن أنقرة سبق واتهمتهما بدعم الإرهاب بحكم علاقة الدولتين بحزب العمال الكردستاني، وغيره.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، من الواضح أن الضغوط الأمريكية والأوروبية على تركيا في هذا الصدد أتت ثمارها، لذلك تم توقيع مذكرة تفاهم بين تركيا من جهة والسويد وفنلندا من جهة الأخرى للقبول بهذه الخطوة، ومن المتوقع أن تكون هذه المذكرة حملت في طياتها مكاسب سياسية، وربما تعهدات من قبل الدولتين.
ويرى أن هذه المسألة لا يمكن أن تمر مرور الكرام وبدون أي مصالح سياسية، لا سيما وأن أنقرة استخدمت ورقة اللاجئين والنازحين السوريين في هذه المسألة، وهي تلعب وتناور بحرفية في هذا الملف.
وعن تأثير هذه الأزمة على السلم والأمن الدوليين، قال إن أبرز تأثير لها يتعلق بالغضب الروسي، فاعتراض تركيا من قبل على هذه الخطوة، وبحكم خصوصية العلاقة بين موسكو وأنقرة، كانت مسألة مريحة لروسيا، لكن هذه الاتفاقية بمثابة جواز المرور لهذه الدول للناتو حيث كانت تركيا الدولة الوحيدة المعترضة على انضمامهما من قبل.
ويعتقد غباشي أن توقيع مذكرة تفاهم بين الدول الثلاث يعني أن ثمة تفاهمات وتطمينات حصلت عليها تركيا، وربما إغراءات ووعود أمريكية وغربية قوية، فالمذكرة تعني أن هناك إطارًا وشروطًا وبنودًا تم التوقيع عليها، وهي كلها أو على الأقل معظمها تصب في صالح أنقرة.
أقوى 5 جيوش بالشرق الأوسط في 2021... الجيش التركي - سبوتنيك عربي, 1920, 29.06.2022
روسيا تدعو تركيا للامتناع عن اتخاذ خطوات في شمال سوريا من شأنها أن تهدد بتصعيد الموقف
خطوة تكتيكية
من جانبه، يرى سركيس أبوزيد، المحلل السياسي اللبناني، أن الموقف التركي الداعم للسويد وفنلندا للانضمام لحلف شمال الأطلسي، يأتي من باب تعزيز العلاقات التركية مع حلف الناتو والدول الأوروبية.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، تسعى تركيا بهذه الخطوة إلى تعزيز موقفها بالتفاوض والتجاذبات مع روسيا بسبب الخلافات الموجودة بينهما، ويعد موقفًا تكتيكيًا، الهدف منه بالنهاية تحسين شروط ووضع تركيا في ناحية إيجابية مع أوروبا، وفي ناحية أخرى سلبية مع دولة روسيا.
وعن نتائج هذه الخطوة وتأثيرها على الأوضاع الأمنية في الإقليم، قال أبوزيد إنها تعمق الخلافات القائمة، وتزيد من حدة التوتر، لكن النتيجة مرهونة بنتائج المفاوضات والترتيبات والتسويات التي تحصل على المستويين الإقليمي والدولي.
ويضع المحلل السياسي اللبناني هذا الموقف من باب تحسين الشروط والتكتيك المرحلي، ويستبعد أن يكون من منطلق المواقف الاستراتيجية، حيث أكد أن تركيا يمكنها التراجع عن هذه الخطوة في حال رأت موقفًا إيجابيًا تحتاجه في عدة ملفات من روسيا.
الرئيس التركي، رجب طيب أرودغان، مخاطبا الصحفيين على هامش القمة الطارئة لرؤساء الناتو في بروكسل، بلجيكا، 24 مارس/ آذار 2022 - سبوتنيك عربي, 1920, 29.06.2022
تركيا تتراجع عن تحفظاتها بشأن انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو بعد اتفاق ثلاثي مع البلدين
اللعب على المتناقضات
في السياق ذاته، يرى المحلل السياسي السوري غسان يوسف، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دائمًا ما يناور في أي قضية تخص حلف الناتو، أو الاتحاد الأوروبي بشكل عام، ويرى في دعم انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو فرصة قوية لمغازلة دولة روسيا، والرئيس فلاديمير بوتين.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، من هذا المنطلق اتخذ أردوغان من ذريعة دعم فنلندا والسويد لحزب العمال الكردستاني، والقول بإن هاتين الدولتين تدعمان الإرهاب، وأعلن رفضه من قبل انضمامها لحلف الناتو، لكن بعد ذلك أصدر بيان لموافقته على انضمامهما للحلف الأطلسي، بعد طلب فنلندا والسويد الاجتماع مع تركيا.
ويرى المحلل السياسي السوري، أن هذه التحركات تؤكد أن الرئيس التركي لاعب ماهر في هذه الأمور، ويعرف كيف يقتنص الفرصة جيدًا، وكيف يدير اللعبة السياسية، وطريقة تطويع الأمور لصالحه، لاسيما في ظل التوتر الأخير بين أنقرة وحلف الناتو بسبب صواريخ "إس 400"، ومن أجل علاقته مع روسيا، وكذلك المشكلة الأخيرة المتعلقة بانضمام السويد وفنلندا للناتو والتي تم حلها أمس.
وقال يوسف: "إننا أمام سياسة تركية تلعب على كل الحبال، وتخوض في المتناقضات، لكنها في النهاية توافق على ما يريده حلف الناتو، ولا تخرج عن عباءة الاتحاد الأوروبي، أو الولايات المتحدة الأمريكية".
وأعلن حلف "الناتو" أن أمن فنلندا والسويد يعتبر "أولوية" بالنسبة له، بما في ذلك فترة التحضير للانضمام للحلف. كما أعلن في قمته عن الاتفاق على زيادة قوته واستعداده العسكري في جانبه الشرقي.
ووافق أعضاء الناتو على توقيع بروتوكول الانضمام يوم الأربعاء، ويتطلب ذلك مصادقة برلمانات 30 عضوا حاليا في الحلف شمال على انضمام الوافدين الجديدين إلى الحلف.
هذا ووقعت تركيا والسويد وفنلندا يوم الثلاثاء في مدريد مذكرة أمنية تأخذ في الاعتبار جميع مخاوف أنقرة، وسحبت تركيا بدورها اعتراضاتها على انضمام السويد وفنلندا إلى "الناتو".
وأشارت موسكو مرارا إلى أن التحالف يهدف إلى المواجهة، كما أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أن التوسع الإضافي للكتلة لن يجلب المزيد من الأمن إلى أوروبا. في الوقت ذاته، لا يعتبر دخول السويد وفنلندا إلى هذه المنظمة تهديدا وجوديا لروسيا.
وأشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن التخلي عن السياسة التقليدية المتمثلة في الحياد العسكري لهلسنكي سيكون خاطئا، حيث لا توجد تهديدات لفنلندا.
شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала